تفسير قوله تعالى: (أفرأيت الذي تولى)
قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى * أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} [النجم:33-35] إلى آخره.
الخطاب في قوله: (أفرأيت) للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويجوز أن يراد به كل من يتوجه إليه الخطاب، فيكون المعنى على الأول: أفرأيت يا محمد، وعلى القول الثاني يكون المعنى: أفرأيت أيها المخاطب.
(الذي تولى) أي: تولى عن طاعة الله عز وجل، ولم يؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينفق ما أمر بإنفاقه: {وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} [النجم:34] أحيانًا يعطي، وإذا أعطى أعطى قليلًا، وأحيانًا يكدي أي: يمنع، فلا يعطي شيئًا؛ لأنه لا ينفق المال ابتغاء وجه الله، فلذلك كانت حاله بين أمرين: إما المنع، وإما الإعطاء قليلًا.
قالوا: (وأكدى) مأخوذة من الكدية: وهي الصخرة الشديدة التي لا تتفتت إلا بالمعاول، هذا الذي أعطى قليلًا وأكدى يزعم أنه إذا بعث فإنه سوف يعطي المال الكثير، وهكذا عادة من ينكر البعث كما في صاحب الجنة الذي قال: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف:36] فهو يظن أنه سوف يمتع في الدنيا ثم يمتع في الآخرة أكثر وأكثر إن كان آمن بها.
قال الله تعالى: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} [النجم:35] هذا الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي: ليس عنده علم الغيب فهو يرى أنه سينتقل إلى دارٍ أفضل من داره التي هو فيها، وعلى هذا فتكون الجملة جملة نفي، ولا جملة إثبات وليست جملة استخبار، بل هي جملة نفيٍ وإنكار، إذ لا أحد عنده علم الغيب، ولولا ما أخبرنا الله به من النعيم لأهل الجنة والجحيم لأهل النار ما علمنا عن ذلك شيئًا.