فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 6569

السؤاللقد سمعنا عن فضيلتكم فتوى قد تداولها طلبة العلم، وهي مسألة القصر في السفر، والكثير من طلبة العلم يقولون: إن الشيخ يقول: إن طلبة العلم إذا قدموا من بلدان خارج المملكة، إذا صلوا فرادى يقصرون الصلاة بناءً على أنهم في سفر، فنريد أدلة ذلك بالتفصيل؟

الجوابهذه المسألة بارك الله فيك وهي إقامة المسافر في بلد هل ينقطع بها حكم السفر أو لا ينقطع؟ العلماء مختلفون في هذه المسألة على أكثر من عشرين قولًا ذكرها النووي في المجموع شرح المهذب، وذلك أن المسألة ليس فيها نص قاطع يفصل بين المختلفين، لذلك ذهب شيخ الإسلام رحمه الله وجماعة من أهل العلم إلى أن المسألة ترجع إلى الاستيطان أو السفر، وأن حال الإنسان دائرة بين الاستيطان والسفر فقط، ويلحق بالاستيطان الإقامة الدائمة التي لم تحدد بعمل ولا زمن، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، وهو الذي تدل عليه ظواهر الأدلة الشرعية؛ لأنه لا يوجد في القرآن ولا في السنة حرف واحد يدل على تحديد المدة التي تقطع حكم السفر إذا نواها الإنسان، ومن كان عنده دليل في ذلك فليسعفنا به، وأكبر دليل عند الذين حددوا هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام إقامات مختلفة: فمنهم من أخذ بالأدنى، ومنهم من أخذ بالأعلى، فـ ابن عباس مثلًا قال: (إذا نوى المسافر تسعة عشر يومًا أو أكثر فإنه يتم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بـ مكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، فإذا أقمنا هذه التسعة عشر يومًا قصرنا وإذا زدنا أتممنا) .

والإمام أحمد والشافعي وأظن الإمام مالكًا أيضًا يقولون: (إذا نوى أكثر من أربعة أيام أتمَّ، وإذا نوى أربعة فما دونها قصر) لكن الشافعي يقول: (يوم الدخول ويوم الخروج لا يحسب، فالأيام تكون صافية أربعة) وبناءً على هذا المذهب تكون الأيام ستة يوم الدخول ويوم الخروج وأربعة صافية بينهما، والإمام أحمد يحسب يوم الدخول ويوم الخروج فما هو الدليل في هذا؟ الدليل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهي آخر سفرة سافرها قدم مكة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة ومكث بها يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وفي يوم الخميس ضُحىً خرج إلى منى، وقد صح عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان في هذه المدة يقصر الصلاة، قال أنس رضي الله عنه: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم -أي: إلى مكة - في حجة الوداع، فلم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة، فسئل: كم أقاموا في مكة؟ قال: أقمنا بها عشرًا) ؛ لأنه وصلها يوم الأحد الرابع من ذي الحجة وخرج صباح الرابع عشر من ذي الحجة فتكون الأيام عشرة، أربعة قبل الخروج إلى المشاعر، والباقي في المشاعر، ولكني أقول: هل هذا دليل على التحديد، أم على عدم التحديد؟ هو في الحقيقة دليل على عدم التحديد لا على التحديد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل: من جلس أكثر من أربعة أيام فليتم، وإنما كانت أربعة أيام مصادفة، وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن الناس يقدمون إلى مكة للحج قبل اليوم الرابع، أي: ليس كل الحجيج لا يقدم إلا في الرابع فما بعده، أبدًا؛ الحجاج يقدمون في الرابع في الثالث في الثاني في الأول في آخر ذي القعدة، بل يمكن من شوال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة:197] أولها شوال، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أن الناس يقدمون قبل اليوم الرابع لم يقل للناس: من قدم قبل اليوم الرابع فليتم، فَعُلِمَ أن الإتمام لا يلزم، ولهذا لما صلى بـ مكة عام الفتح قال لأهلها: (يا أهل مكة! أتموا فإنا قوم سَفْرٌ) وكان يصلي ركعتين ويسلم، ثم يقوم أهل مكة فيتمون.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يبلغ البلاغ المبين، فإذا علمنا أنه أقام في مكة أربعة أيام قبل الخروج إلى منى وستة أيام بعد ذلك، وأقام في تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، وأقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، فهذه مدد مختلفة ولم يتغير فيها الحكم، فحينئذٍ نقول: العبرة بقطع السفر أن ينوي الإنسان قطع السفر والإقامة المطلقة في هذا البلد، فصار من أهلها ولزمه ما يلزم المقيم، وأما إذا قال: أنا لست من أهل البلد لكني أقمت لشغل، فنقول: إذًا؛ أنت مسافر، لكن مع ذلك هذا الرجل الذي أقام في البلد لا نعفيه من صلاة الجماعة بل نلزمه بصلاة الجماعة والجمعة، إلا إذا فاتته فيصلي ركعتين، كذلك أيضًا لا نرى أن يفطر رمضان ثم يقضيه بعد ذلك، لأنه غير مسافر، لكن لأنه لو ترك صيام رمضان في هذه السنة ثم في السنة الأخرى ثم في السنة الثالثة تضاعفت عليه الأيام، وربما عجز وكسل، ثم إن تأكيد الفطر في السفر ليس كتأكيد القصر، القصر عند بعض العلماء واجب في السفر، ولم يحفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم يومًا من الأيام وهو مسافر.

وأما الفطر فإن الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يصومون ويفطرون، ولا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، والنبي صلى الله عليه وسلم صام، ولما قيل له: الناس قد شق عليهم أَفْطَر، فلهذا نقول: الصوم لهذا المسافر الذي أقام مدة طويلة لا يؤخر إلى رمضان الثاني، بل يصومه لئلا تتراكم عليه الأشهر فيضعف أو يتهاون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت