فهرس الكتاب

الصفحة 551 من 6569

السؤالما المقصود بحديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب؟

الجوابهذا الحديث حديث طويل مشهور، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سوادًا عظيمًا قد سد الأفق فقيل له: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فجعل الصحابة رضي الله عنهم يتساءلون بينهم من هؤلاء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) ، قوله: لا يسترقون، أي: لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم لمرض كان فيهم، ولا يكتوون، أي: لا يطلبون من أحد أن يكويهم، ولا يتطيرون، أي: لا يتشاءمون، وعلى ربهم يتوكلون، أي: يعتمدون اعتمادًا كليًا.

وعلم من قوله: لا يسترقون أنهم لو قرءوا على غيرهم فلا بأس، ولا يحرمون من هذا الثواب العظيم، وأنه لو قرأ عليهم غيرهم بلا طلب منهم فلا بأس، ولا يحرمون من هذا الثواب العظيم، وكذلك من كواه غيره بلا طلب منه فإنه لا يحرم هذا الثواب.

أما التطير فهو التشاؤم، قال العلماء: التشاؤم يكون بمرئي أو مسموع أو معلوم، والتشاؤم من مرئي: مثل أن يرى شيئًا فيقع في نفسه التشاؤم، كأن يرى طيرًا أسود فيقول: هذا سواد يومي، أو كأن يرى أمامه إنسانًا عثر فمات فيتشاءم ويقول: إن ذهبت في هذا الطريق حصل لي مثلما حصل لهذا الشخص، أو ما أشبه ذلك، والتشاؤم بمسموع: مثل أن يسمع كلمة نابية فيتشاءم ويرجع عن حاجته.

والتشاؤم بالمعلوم: التشاؤم بالأيام أو بالشهور، كما كان أهل الجاهلية يفعلون، منهم من يتشاءم بشهر صفر، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، ومنهم من يتشاءم بيوم الأربعاء، وغير ذلك مما هو معروف من طرق الجاهلية، فإن الطيرة من الشرك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الطيرة شرك، الطيرة شرك) وعلى الإنسان أن يتوكل على الله ويعتمد عليه في أمره كله، وإذا رأى أن من الخير أن يفعل فليفعل، ولا يهمه ما سمعه وما رآه؛ لأن الطيرة من الشرك.

وأما التوكل فهو: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب النافعة؛ لأن التوكل بدون فعل الأسباب النافعة يسمى تواكلًا وليس توكلًا، فإن سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان يفعل الأسباب التي تقيه، ففي غزوة أحد ظاهر بين درعين يعني: لبس درعين خوفًا من السهام، وضرب الخندق على المدينة لئلا يدخلها العدو، واختفى في غار ثور ثلاثة أيام لئلا يدركه العدو، فالأسباب النافعة فعلها لا ينافي التوكل أبدًا، بل هو من مقتضى التوكل.

فهذه الأوصاف الأربعة أنهم: (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) ، هي من صفات من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، ولكن ليعلم أنه لابد أن يكون عندهم إيمان، فلو فرضنا أن أحدًا اتصف بهذه الصفات لكنه لا يصلي فهذا لا يدخل الجنة أبدًا لا بحساب ولا بغير حساب؛ لأن من لا يصلي كافر، ولا ينفعه أنه لا يسترقي، ولا يكتوي، ولا يتطير، وأنه يتوكل ويعتمد على الله، فيجب أن ننتبه إلى هذه المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت