{وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} : فكيف تخرجونهم من ديارهم , وتستحلُّون ذلك , وهوحرام عليكم في التوراة , وإذا صاروا في الأسر بإخراجكم لهم فاديتموهم؟
أَليس هذا نقضا للميثاق. في جانب، وعملا في جانب آخر؟ فلماذا لم تتبعوا حكمها في النهي عن إخراجهم، رقد اتبعتموه في افتدائهم؟
فقد جاءَ فيها أنه - تعالى. - أَخذ عليهم الميثاق: ألا يقتل بعضهم بعضا، أو يخرجه من داره، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرا ئيل، فاشتروه واعتقوه.
وكان اليهود من بني قريظة وبنى النضير يقيمون بالمدينة، ويحالف الأولون الأوس، والآخرون الخزرج، فكانت الحرب وإذا قامت في الجاهلية بين الأَوس والخزرج، انضم إلى كل فريق منهما حليفه من اليهود، وقتل بعض اليهود بعضا، أَو أخرجوهم من ديارهم , وبعد الحرب: يفدى كل فريق منهم، أسرى الفريق الآخر عند حلفائهم، فعيرتهم العرب، وقالت: كيف تقاتلونهم، ثم تفدرنهم؟ فيقولون: أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم، ولكن نستحيى أن نذل خلفاءنا؛ فذمَّهم الله على تناقضهم فقال:
{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ} ، فتفدون أسراكم، {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} فتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم؟ إذ لو كانوا يؤمنون به كله لما تناقضوا في العمل به.
والاستفهام للإنكار والتوبيخ, على والتفريق بين أحكام الله التي أخذ عليهم العهد بالعمل بما في التوراة.
ومناط التوبيخ والإنكار، هو كفرهم ببعضها مع إيمانهم ببعضها الآخر، وسمى عصيانهم بالقتل
والإخراج من الديار كفرا، إبرازا لشناعة ما ارتكبوه، بتنزيله منزلة الكفر بأحكام التوراة.
لذا توعدهم الله، تعالى - عل عصيانهم بنقضهم الميثاق النزل منزلة الكفر - بالخزي العاجل في الحياة الدنيا، والعذاب في الآخرة. فقال تعالى:
{فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ} : فالإشارة في قوله {ذَلِكَ} : راجعة إلى القتل والإخراج من الديار: الذين نقضوا بهما عهد الله بغيا وكفرا.