وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة حالية، أي وأنتم من ذوى العلم، ولا يناسب من كان كذلك أن يكتم الحق، أو يلبسه بالباطل، وإذا كان هذا الفعل - وهو لبس الحق بالباطل، أو كتمانه وإظهار الباطل وحده - يعد من كبائر الذنوب، فإن وقعه يكون أقبح، وفساده أكبر، وعاقبته أشأم متى صدر من عالم فاهم، يميز بين الحق والباطل.
ففي هذه الجملة الكريمة بيان لحال بني إسرائيل، المخاطبين بهذا النهي، وتبكيت لهم، لأنهم لم يفعلوا ما فعلوه عن جهالة، وإنما عن علم وإصرار على سلوك هذا الطريق المعوج.
قال أبو حيان في البحر: «وهذه الحال، وإن كان ظاهرها أنها قيد في النهي عن اللبس والكتم، فلا تدل بمفهومها على جواز اللبس والكتم حالة الجهل، إذ الجاهل بحال الشيء لا يدرى كونه حقا أو باطلا، وإنما فائدتها بيان أن الإقدام على الأشياء القبيحة، مع العلم بها، أفحش من الإقدام عليها مع الجهل.
وبعد أن أمرهم - سبحانه - بأصل الدين الذي هو الإيمان به وبرسوله محمد صلّى الله عليه وسلم أردفه بركنين من أركانه العملية، إذا قاموا بهما لانت قلوبهم للحق، وانعطفت نفوسهم نحو خشية الله وحده، فقال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ والمراد بإقامة الصلاة، أداؤها مستوفية لأركانها وشرائطها وآدابها. والمراد بإيتاء الزكاة دفعها لمستحقيها كاملة غير منقوصة.
والمعنى: عليكم يا معشر اليهود أن تحافظوا على أداء الصلاة، التي هي أعظم العبادات البدنية، وعلى إيتاء الزكاة التي هي أعظم العبادات المالية، وأن تخضعوا لما يلزمكم في دين الله - تعالى - لأن في محافظتكم على هذه العبادات تطهيرا لقلوبكم، وتأليفا لنفوسكم، وتزكية لمشاعركم، ولأنكم إن لم تحافظوا عليها كما أمركم الله - تعالى - فسيلحقكم الخزي في الدنيا، والعذاب في الأخرى.
هذا، ونرى من المناسب أن نختم تفسير هذه الآيات الكريمة، وبيان ما اشتملت عليه من توجيه سليم، وتركيب بليغ، بما قاله أبو حيان في تفسيره، فقد قال - رحمه الله -: