وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ:"فأزلَّهما"، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في الحرف الذي يتلوه. بأن إبليس أخرجهما مما كانا فيه [1] .
وذلك هو معنى قوله"فأزالهما"، فلا وجه - إذْ كان معنى الإزالة معنى التنحية والإخراج - أن يقال:"فأزالهما الشيطانُ عنها فأخرجهما مما كانا فيه"فيكون كقوله:"فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مما كانا فيه. ولكن المفهوم أن يقال: فاستزلهما إبليسُ عن طاعة الله - كما قال جل ثناؤه:"فأزلهما الشيطان"، وقرأت به القراء - فأخرجهما باستزلاله إياهما من الجنة."
[1] هذه قراءة حمزة بن حبيب الزيات، أحد القراء السبعة والعشرة، وهي قراءة متواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ثَمَّ فلا وجه لما ذكره الإمام الطبري من ترجيح بين القراءتين، وهذا أمر متكرر منه - رحمه الله - في كثير من المواضع من هذا التفسير، مع أنه قد حكم بالإصابة في أكثر من موضع لبعض القراءات، وكنا نود أن يكون هذا ديدنه، وهذا من أكثر الأمور التي أنكرت عليه وأخذت على هذا التفسير الجليل القدر، لكن - سبحان الله - لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة.
قال السيوطي فِي نواهد الأبكار ما نصه:
قوله: (وقرأ الباقون ملك، وهو المختار) .
عبارة غير حسنة، لأن كلتا القراءتين متواترة، فلا يحسن أن يقال في إحداهما: إنها المختارة، لما يشعر به من أن الأخرى بخلاف ذلك.
وقد أنكر جماعة من الأئمة على من رجح قراءة على قراءة.
قال السمين: ما ذكر فِي ترجيح مالك على ملك، وبالعكس غير مرضي، لأن كلتا القراءتين متواترة، وقد روى أبو عمر الزاهد عن ثعلب أنه قال: إذا اختلف الإعراب فِي القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب فِي القرآن، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى.
وقال أبو شامة: أكثر المصنفون من الترجيح بين هاتين القراءتين حتى إن بعضهم يبالغ فِي ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين، وصحة اتصاف الرب تعالى بهما. والأولى أن يعبر بدل الاختيار بالأمدح والأبلغ. اهـ (نواهد الأبكار. حـ 1 صـ 286 - 287) .
وقال أيضا:
قال الطيبي: وإذا ثبت مثله فِي كلام الفصحاء، ونقل عمن ثبتت عصمته من الغلط وجب القبول.
وأما القراء فهم أعدل من النحاة فوجب المصير إلى قولهم. اهـ (نواهد الأبكار. حـ 1 صـ 440) .
أما في هذه الآية فقد قال القرطبي ما نصه:
وَقَرَأَ حَمْزَةُ"فَأَزَالَهُمَا"بِأَلِفٍ، مِنَ التَّنْحِيَةِ، أَيْ نَحَّاهُمَا. يُقَالُ: أَزَلْتُهُ فَزَالَ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: فَأَزَالَهُمَا مِنَ الزَّوَالِ، أَيْ صَرَفَهُمَا عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ.
قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْقِرَاءَتَانِ بِمَعْنًى، إِلَّا أَنَّ قِرَاءَةَ الْجَمَاعَةِ أَمْكَنُ فِي الْمَعْنَى. يُقَالُ مِنْهُ: أَزْلَلْتُهُ فَزَلَّ. وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) [آل عمران: 155] ، وقوله:"فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ"وَالْوَسْوَسَةُ إِنَّمَا هِيَ إِدْخَالُهُمَا فِي الزَّلَلِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَيْسَ لِلشَّيْطَانِ قُدْرَةٌ عَلَى زَوَالِ أَحَدٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ إِنَّمَا قُدْرَتُهُ عَلَى إِدْخَالِهِ فِي الزَّلَلِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَى زَوَالِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ يذنبه. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى أَزَلَّهُمَا مِنْ زَلَّ عَنِ الْمَكَانِ إِذَا تَنَحَّى، فَيَكُونُ فِي الْمَعْنَى كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ مِنَ الزَّوَالِ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
يُزِلُّ الْغُلَامُ الْخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِ ... وَيُلْوِي بِأَثْوَابِ الْعَنِيفِ الْمُثَقَّلِ
وَقَالَ أَيْضًا:
كُمَيْتٍ يُزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ ... كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالْمُتَنَزِّلِ
اهـ (تفسير القرطبي. 1/ 311 - 312) .