فإن قيل: الكلام على هذا الاستدلال من وجهين ، الأول: أن الفاسق ليس بمرتضى فوجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة ، وإذا لم يكن أهلاً لشفاعة الملائكة وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، إنما قلنا: إنه ليس بمرتضى لأنه ليس بمرتضى بحسب فسقه وفجوره ومن صدق عليه أنه ليس بمرتضى بحسب فسقه صدق عليه أنه ليس بمرتضى بعين ما ذكرتم من الدليل ، وإذا ثبت أنه ليس بمرتضى وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة ، لأن قوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} يدل على نفي الشفاعة عن الكل إلا فِي حق المرتضى ، فإذا كان صاحب الكبيرة غير مرتضى وجب أن يكون داخلاً فِي النفي.
الوجه الثاني: أن الاستدلال بالآية إنما يتم لو كان قوله: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} محمولاً على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله ، أما لو حملناه على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله منه شفاعته فحينئذ لا تدل الآية إلا إذا ثبت أن الله تعالى ارتضى شفاعة صاحب الكبيرة ، وهذا أول المسألة.
والجواب عن الأول: أنه ثبت فِي العلوم المنطقية أن المهملتين لا يتناقضان ، فقولنا: زيد عالم ، زيد ليس بعالم لا يتناقضان لاحتمال أن يكون المراد زيد عالم بالفقه ، زيد ليس بعالم بالكلام ، وإذا ثبت هذا فكذا قولنا صاحب الكبيرة مرتضى صاحب الكبيرة ليس بمرتضى ، لا يتناقضان لاحتمال أن يقال: إنه مرتضى بحسب دينه ، ليس بمرتضى بحسب فسقه ، وأيضاً فمتى ثبت أنه مرتضى بحسب إسلامه ثبت مسمى كونه مرتضى ، وإذا كان المستثنى هو مجرد كونه مرتضى ، ومجرد كونه مرتضى حاصل عند كونه مرتضى بحسب إيمانه وجب دخوله تحت الاستثناء وخروجه عن المستثنى منه ، ومتى كان كذلك ثبت أنه من أهل الشفاعة.