إذا ثبت هذا فنقول: الآية تدل على حصول الشفاعة لأهل الكبائر ، لأنه قال عقيبه: {إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً} ، والتقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند الرحمن عهداً ، فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه ، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهداً وهو التوحيد والإسلام ، فوجب أن يكون داخلاً تحته أقصى ما فِي الباب أن يقال: واليهودي اتخذ عند الرحمن عهداً وهو الإيمان بالله فوجب دخوله تحته لكنا نقول ترك العمل به فِي حقه لضرورة الإجماع فوجب أن يكون معمولاً به فيما وراءه.
ورابعها: قوله تعالى فِي صفة الملائكة: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} [الأنبياء: 28] وجه الاستدلال به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى ، وكل من كان مرتضى عند الله تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة ، إنما قلنا: إن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى لأنه مرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده وكل من صدق عليه أنه مرتضى عند الله بحسب هذا الوصف يصدق عليه أنه مرتضى عند الله تعالى لأن المرتضى عند الله جزء من مفهوم قولنا: مرتضى عند الله بحسب إيمانه ، ومتى صدق المركب صدق المفرد ، فثبت أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون من أهل الشفاعة لقوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} نفى الشفاعة إلا لمن كان مرتضى والاستثناء من النفي إثبات ، فوجب أن يكون المرتضى أهلاً لشفاعتهم ، وإذا ثبت أن صاحب الكبيرة داخل فِي شفاعة الملائكة وجب دخوله فِي شفاعة الأنبياء وشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق.