ويُلْوِي بأثواب العَنيفِ المثقَّلِ
وقال أيضاً:
كُمَيْتٍ يُزِلّ اللِّبْدُ عن حال مَتْنِهِ ...
كما زلّت الصّفْواء بالمتنزِّل
الثانية: قوله تعالى: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله:"فأخرجهما"تأكيد وبيان للزوال ؛ إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة ، وليس كذلك ، وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى الأرض ؛ لأنهما خلقا منها ، وليكون آدم خليفة فِي الأرض.
ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أُبعد هو ؛ فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده ، بل ازداد سُخْنة عَين وغَيظ نفس وخَيبة ظنّ.
قال الله جلّ ثناؤه: {ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى} [طه: 122] فصار عليه السلام خليفة الله فِي أرضه بعد أن كان جاراً له فِي داره ؛ فكم بين الخليفة والجار! صلى الله عليه وسلم.
ونسب ذلك إلى إبليس ؛ لأنه كان بسببه وإغوائه.
ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولّي إغواء آدم ؛ واختلف فِي الكيفية ، فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء أغواهما مشافهة ؛ ودليل ذلك قوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين} [الأعراف: 201] والمقاسمة ظاهرها المشافهة.
وقال بعضهم ، وذكره عبد الرزاق عن وهب بن مُنَبِّه: دخل الجنة فِي فم الحيّة وهي ذات أربع كالبُخْتِيّة من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم يُدخله إلا الحيّة ؛ فلما دخلت به الجنة خرج من جَوْفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حوّاء فقال: انظري إلى هذه الشجرة ، ما أطيبَ ريحَها وأطيب طعمَها وأحسن لونَها! فلم يزل يُغويها حتى أخذتها حوّاء فأكلتها.