السؤال الثاني: كأنه يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أوّل الجواب ليس فِي ذكر الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه. وأيضاً فِي قوله {وآمنوا} دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور. وأيضاً قوله {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير. وقوله {رفع السماوات بغير عمد ترونها} [الرعد: 2] لا يدل على وجود عمد لا نراها فكذلك ههنا. قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، فقيل لهم: لا تكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه سيكون بعدكم كفار، فلا تكونوا أنتم أول الكفار فإنه يكون عليكم وزر من كفر إلى يوم القيامة. والاشتراء استعارة للاستبدال كما قلنا فِي {اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل هو الرياسة التي كانت لهم فِي قومهم. خافوا عليها لفوات لو تبعوا دين الإسلام. وقيل: الثمن هو الرشا التي يأخذها علماؤهم على تحريف الكلم عن مواضعه وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع {وإياي فاتقون} مثل {وإياي فارهبون} وقيل: الاتقاء إنما يكون عند الجزم بحصول ما يتقى عنه، فكأنه أمرهم بالرهبة.
على أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى على أن يقين العقاب قائم.