قوله: (وذلك) أي الْمَذْكُور من فعل ما لا يستقل به الْإنْسَان (لا يستتب) أي لا يتم
(إلا لمن يناسبه) أي الشَّيْطَان في الشرارة في ارْتكَاب ما يؤدي إلَى الكفر قولًا وعملًا
واعتقادًا (وخبث النفس) ومن هذا قال النحرير مزاولة النفوس الخبيثة(فإن التناسب شرط
في التضام)أي في المصاحبة والمعية (والتعاون) وفيه إشَارَة إلَى أن الشَّيَاطين وهم مردة
الجن يعاونونهم في فعل السحر، كما أن الْمَلَائكَة يعاونون الأخيار الَّذينَ واظبوا عَلَى
العبادات بعد تحصيل الاعتقادات وأنواع القربات والتقرب إلَى اللَّه تَعَالَى بأنواع المبرات
وإذا تمهد هذا فكون السحر بهذا الْمَعْنَى كفرًا مما لا سترة فيه، فقوله: والْمُرَاد من السحر
الخ. ولم يقل والسحر ما يستعان في تَحْصيله الخ. إما إشَارَة إلَى قَوْله، وأما ما يتعجب منه
الخ. حيث إنه لا يكون كفرًا لكنه مجاز لا يحتاج إلَى الاحتراز عنه، إلا أن يقال إنه بشيوعه
في هذا الْمَعْنَى المجازي حتى كأنه حَقيقَة عرفية احترز عنه، أو إشَارَة إلَى ما اختاره الإمام
أبو منصور من أن السحر له أنواع بعضها كفر وبعضها ليس بكفر، وتعريفه أنه خارق للعادة
يظهر في نفس شريرة بمباشرة أعمال مَخْصُوصة.
قوله: (وبهذا تمييز الساحر عن النَّبيِّ والولي) إشَارَة إلَى جواب ما قالت المعتزلة من
أنه لو أمكن للْإنْسَان من جهة الشَّيْطَان ظهور الخوارق والْإخْبَار عن المغيبات لاشتبه طريق
النبوة بطَريق السحر؛ ولذا قَالُوا إنه تخيل محض لا حَقيقَة له، ولك أن تقول: إن كونه تخيلًا
محضًا لا يكفي في دفع الاشتباه الْمَذْكُور؛ لأنه ما دام ظاهرًا في أعين النَّاس قال تَعَالَى:
(سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاس وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بسحْرٍ عَظيمٍ) يشتبه طريق
النبوة بطَريق السحر فيحتاج لا محالة إلَى ما ذكره المصنف، وأَيْضًا يمتاز الساحر عن النَّبيّ
بعدم المعارضة في النبي دون الساحر، كما يدل عليه قصة سحرة فرعون. قال بعض الأفاضل:
قيل عليه أي عَلَى تعريف النَّبيّ يدخل فيه سحر المتنبي. وأُجيب بأنه تَعَالَى لا يخلق الخارق
في يد الكاذب بحكم العادة في دعوى الرسالة، ولا نقض بالفرضيات. قال الْمُصَنّف في سورة
الشعراء: وفيه دليل عَلَى أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل بشيء لا حَقيقَة له انتهى. أي
لا ينقلب الشيء بالسحر عن حقيقته، والْمُتَبَادَر من كلامه هنا أن السحر له حَقيقَة فينافي ما
قاله في سورة الشعراء. نقل عن الشيخ أكمل الدين أنه قال: إن المعتزلة ذهبوا إلَى أن السحر
ليس له حَقيقَة، وإنَّمَا هُوَ تمويه وتخييل بدليل أنه تَعَالَى قال:(يُخَيَّلُ [إلَيْه] منْ سحْرهمْ أَنَّهَا
تَسْعَى) وأهل السنة ذهبوا إلَى أن له حَقيقَة يعبر عنها بالملكة بأنها ملكة نفسانية
غير معجبة يتعدى تأثيرها [بذاتها] من نفس خبيثة، فقوله غير معجبة احتراز عن العين وقوله
يتعدى لإخراج ما لا يتعدى، وقوله من نفس خبيثة لإخراج المعجزات والكرامات انتهى.
وهذا البيان مخالف لما نقلناه عن الْمُصَنّف حَيْثُ قال في سورة الشعراء: إن منتهى السحر
تمويه الخ. وهو من كبائر أئمة أهل السنة، ويمكن التوفيق بأن مراد الْمُصَنّف هنا السحر الذي
يشبه سحر سحرة فرعون، فإنه تمويه لا حَقيقَة له، والسحر الذي له حَقيقَة السحر الذي أشار
إليه هَاهُنَا بأنه ما يستعان لتَحْصيله الخ. فإنه يحدث أحوالًا غريبة في الشخص المسحور