وقال لهم هذا إلهكم وإلهُ مُوسَى فنسوا فعبدوا العجل إلَى أن رجع مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ من
الطور فمنشأ عبادتهم العجل كونهم مجسمة أو حلولية لما كان أحدهما كافيًا في السببية أورد
بلفظة (أَوْ) في قوله أو حلولية وإلا فالظَّاهر أنهم مجسمة وحلولية معًا، وما وقع في بعض النسخ
وحلولية بالواو الواصلة يؤيد ما ذكرنا؛ لأنهم إذا كانوا مجسمة يجوزون أن يكونًا جسمًا من
الأجسام إلهًا فالتَّخْصِيص بالعجل لكونه أعجب جسمًا في أعينهم، وكَذَلكَ إذا كانوا حلولية
يجوزون حلوله في جسم من الأجسام تَعَالَى الله عن ذلك عُلُوًّا كَبِيرًا؛ وبهذا البيان يندفع
إشكالان الأول أن الكفر لو كان سببًا لإشراب العجل لوجد هُوَ أو مثله في سائر الكفرة عَلَى
أن الْمُرَاد بسببية ذلك السببية في الْجُمْلَة إلا السبب التام فلا إشكال رأسًا، والثاني ما ذكره
الإمام أن جمعًا عظيمًا من العقلاء كَيْفَ اتفقوا عَلَى ما يعلم فساده ببداهة العقل من كون
تمثال حيوان هُوَ مثل في البلادة إله السَّمَاوَات والْأَرْض سيما وقد شاهدوا قبل ذلك من مُوسَى
عَلَيْهِ السَّلَامُ ما يقرب من حد الإلجاء في الدلالة عَلَى الصانع من المعجزات الباهرة الظَّاهرَة.
وأما العابدون للأصنام فلا يدعون أنهم آلهة بهذا الْمَعْنَى الذي ادعاه عبدة العجل بل هم
يقولون (مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا ليُقَرّبُونَا إلَى اللَّه زُلْفَى) فلا يحتاج صنيعهم الباطل إلَى
التمحل. قيل إن المجسمة والحلولية فرقتان متغايرتان، فإن قول الأولى هُوَ أن الإله ذات قديم
له جسم قديم معه، وقول الثانية هُوَ أن الإله ذات قديم يحل في بعض الأجسام الحادثة فيصح
الجمع بَيْنَهُمَا، فنسخة الواو صحيحة دون نسخة أو؛ إذ لا شبهة في حدوث العجل. وأُجيب بأنه
لا يصح الجمع بَيْنَهُمَا لما عرفت من أنهما متغايرتان، وأما قوله؛ إذ لا شبهة الخ. فممنوع ولم لا
يجوز أن يتوهم بعضهم أن يكون العجل جسمًا قديمًا ظهر عَلَى يد السامري، فإن أكثرهم لم
يحضروا عند السامري [حينما] صنعه. وفيه نظر لا يخفى، فالأَوْلَى الاكتفاء بقوله حلولية. وكيفية
تسويل السامري أي تزيينه مبينة في سورة طه.
قوله: (إيمانكم) في إضافة الإيمان إليهم تنبيه أن مثل هذا لا يسمى إيمانًا في نفس
الأمر إلا بالْإضَافَة إليهم مع ما فيه من التهكم الحاصل بإسناد الأمر إليه، ومثل هذا التهكم لا
يكون من قبيل الاسْتعَارَة التهكمية. قوله أي بالتَّوْرَاة؛ إذ الْإخْبَار بأن إيمانهم يأمر بعبادة ما هو
غاية في البلاهة مع أن شأن الإيمان الحقيقي الأمر بالعلم والْحكْمَة في غاية من الاسْتهْزَاء