فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ لَهُمْ: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} فَابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَلَى لَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ مَضَى؟
قِيلَ: إِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَلِمَ قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ؟ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} أَيْ مَا تَلَتْ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ عَنْهُ وَقُلْتُ لَا يَعْنِينِي
يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَمُرُّ: وَلَقَدْ مَرَرْتُ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَمَضَيْتُ عَنْهُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَأَمْضِي عَنْهُ. وَزَعَمَ أَنَّ فَعَلَ وَيَفْعَلُ قَدْ تَشْتَرِكُ فِي مَعْنَى وَاحِدٍ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
وَإِنِّي لِآتِيكُمْ تَشَكُّرُ مَا مَضَى ... مِنَ الْأَمْرِ وَاسْتِيجَابَ مَا كَانَ فِي غَدِ
يَعْنِي بِذَلِكَ: مَا يَكُونُ فِي غَدٍ. وَبِقَوْلِ الْحُطَيْئَةِ:
[البحر الكامل]
شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ ... أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ
يَعْنِي: يَشْهَدُ. وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الوافر]
فَمَا أُضْحِي وَلَا أَمْسَيْتُ إِلَّا ... أُرَانِي مِنْكُمُ فِي كَوَّفَانِ
فَقَالَ: أُضْحِي، ثُمَّ قَالَ: وَلَا أَمْسَيْتُ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: إِنَّمَا قِيلَ: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} فَخَاطَبَهُمْ بِالْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْفِعْلِ وَمَعْنَاهُ الْمَاضِي، كَمَا يُعَنِّفْ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ فِعْلٍ، فَيَقُولُ لَهُ: وَيْحَكَ لِمَ تَكْذِبُ وَلِمَ تُبَغِّضْ نَفْسَكَ إِلَى النَّاسِ؟ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
إِذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ... وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهِ بُدًّا