وإذا نظرنا إلي يوشع وأشمويه وشمعون. وداود وسليمان وشعيب وأرميا. وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى .. نرى موكبا طويلاً جاء بعد موسى .. حتى إنه لم تمر فترة ليس فيها نبي أو رسول .. وحتى نفرق بين النبي والرسول .. نقول النبي مرسل والرسول مرسل .. كلاهما مرسل من الله ولكن النبي لا يأتي بتشريع جديد .. وإنما هو مرسل على منهج الرسل الذي سبقه .. واقرأ قوله سبحانه:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ
(من الآية 52 سورة الحج)
إذن فالنبي مرسل أيضاً .. ولكنه أسوة سلوكية لتطبيق منهج الرسول الذي سبقه. وهل الله سبحانه وتعالى قص علينا قصص كل الرسل والأنبياء الذين أرسلهم ؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى:
وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً (164)
(سورة النساء)
إذن هناك رسل وأنبياء أرسلوا إلي بني إسرائيل لم نعرفهم .. لأن الله لم يقصص علينا نبأهم .. ولكن الآية الكريمة التي نحن بصددها لم تذكر إلا عيسى عليه السلام .. باعتباره من أكثر الرسل أتباعا .. والله تبارك وتعالى حينما أرسل عيسى أيده بالآيات والبينات التي تثبت صدق بلاغه عن الله .. ولذلك قال جل جلاله:"وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس".. وعيسى ابن مريم عليه السلام جاء ليرد على المادية التي سيطرت على بني إسرائيل .. وجعلتهم لا يعترفون إلا بالشيء المادي المحسوس .. فعقولهم وقلوبهم أغلقت من ناحية الغيب .. حتى إنهم قالوا لموسى:"أرنا الله جهرة".. وحين جاءهم المن والسلوى رزقاً من الله .. خافوا أن ينقطع عنهم لأنه رزق غيبي فطلبوا نبات الأرض .. لذلك كان لابد أن يأتي رسول كل حياته ومنهجه أمور غيبية .. مولده أمر غيبي ، وموته أمر غيبي ورفعه أمر غيبي ومعجزاته أمور غيبية حتى ينقلهم من طغيان المادية إلي صفاء الروحانية.