أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً، والنهي وإن كان خاصاً لكنه عام، فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه. ثم لما أمرهم بذكر نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان، بين لهم ما لزمهم من أصول الشرائع فقال {وأقيموا الصلاة} أي التي عرفتموها بوصف النبي، بناء على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب. وأما القائلون بجواز التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها، ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما لو قال السيد لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد أن تفعله.
ويكون الغرض أن يعزم العبد فِي الحال على أدائه فِي الوقت الثاني. ومعنى الصلاة لغة وشرعاً قد تقدم فِي أول البقرة. وأما الزكاة فهي فِي اللغة، الزيادة والنماء، وفي الشرع القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد فِي بركة المخرج عنه، ويمكن أن يقال: مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب. قال تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] فإن المخرج يطهر ما بقي من المال. قال صلى الله عليه وسلم"عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال: ثلاث فِي الدنيا وثلاث فِي الآخرة. فأما التي فِي الدنيا فتزيد فِي الرزق، وتكثر المال، وتعمر الدار. وأما التي فِي الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلاً فوق الرأس، وتكون ستراً من النار"وفي هذا الخطاب مع اليهود دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.