ولا يمكن حمل الملاقاة في هذه الآية على المعاينة والرؤية، لأن أحداً لا يستيقن أنه يرى ربه ويعاينه، بل كل واحد منا يرجو ذلك من فضل الله أن يرزقه. وقد فسر الظن هاهنا بمعنى اليقين فيحمل اللقاء على ما فسره ابن عباس، ورحمة الله.
وقال أبو علي: معنى قوله: {مُلَاقُو رَبِّهِمْ} ملاقو ثواب ربهم،
خلاف من وصف بقوله: {لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 264] ، وقوله: {إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39] ، ومثله: {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} [البقرة: 223] ، أي: ملاَقو جزائه إن ثوابا، وإن عقابا.
وأراد (ملاقون ربهم) لأنه فيما يستقبل فتثبت النون، لأنك تقول: هو ضارب زيدا، إذا كان فيما يستقبل؛ وإذا كان قد مضى حذفت التنوين لا غير، ويجوز حذفه أيضا وإن كان لما يستقبل، كقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} و {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ} [الدخان: 15] و {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: 33] نصبت (وأهلك) على تقدير النون.
وإنما كان كذلك لأن الفعل الماضي لم يشابه الاسم، ولذلك بني، فالاسم الذي بمعناه وجب أيضًا أن لا يزال عن أصله، وأصل الأسماء أن تعمل إلا جرّاً، فبقى اسم الفاعل إذا أريد به الماضي على أصله، وإذا أريد به الحال والاستقبال حمل على المضارع لما بينهما من الشبه، وجاز الجر به إذا أريد به الاستقبال وإن استقرت مشابهته للفعل، لأنه لم يخرج عن حكم الاسمية، لأجل كونه اسما جاز أن يجر ما بعده، ولأجل ما بينه وبين المضارع من الشبه جاز أن ينصب.
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} . أي يصدقون بالبعث ولا يكذبون.
ومعنى (إليه) : إلى أمره وإحيائه ومسألته، لأنهم لم يخرجوا عن قبضته قط، وملكته ومثله قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45] أراد إلى أمر ربك، والمعنى في الجملة إنهم يقرون بالنشأة الثانية،