فأصل هذا الحرف من المنع، ثم لما كان الإنسان يعرف الشيء بعقله، سمي العلم عقلاً في بعض المواضع، فيقال عقلت كذا، أي علمته.
44 -قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} الآية. قال أبو عبيد: أصل الصبر الحبس، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال: (اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر) أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، ومنه قيل للرجل يُقدَّم فتضرب عنقه: قُتل صبراً، يعني أنه أُمسِكَ على الموت، وكذلك لو حبسَ رجل نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي. قال عنترة:
فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ
ومن هذا (يمين الصبر) وهو أن يحبس على اليمين حتى حلف بها.
ومعنى الآية: استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ويقال لشهر رمضان شهر الصبر، وللصائم صابر.
وقوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} . قال الحسن والضحاك: ثقيلة.
والأصل في ذلك أن ما يكبر يثقل على الإنسان حمله. فقيل لكل ما يصعب على النفس - وإن لم يكن من جهة الحمل -: يكبر عليها، كقوله: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13] .
وقوله: (وإنها) ولم يقل: (وإنهما) بعد ذكر الصبر والصلاة، لأنه كنى
عن الأغلب والأفضل والأهم، وهو الصلاة، كقوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: 34] ، وقال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] ، هذا قول المُؤَرِّج.