{وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ العجل} عطف على {قَالُواْ} أو مستأنف أو حال بتقدير قد أو بدونه.
والعامل (قالوا) والإشراب مخالطة المائع الجامد، وتوسع فيه حتى صار فِي اللونين، ومنه بياض مشرب بحمرة، والكلام على حذف مضاف أي حب العجل، وجوز أن يكون العجل مجازاً عن صورته فلا يحتاج إلى الحذف، وذكر القلوب لبيان مكان الإشراب، وذكر المحل المتعين يفيد مبالغة فِي الإثبات؛ والمعنى داخلهم حب العجل ورسخ فِي قلوبهم صورته لفرط شغفهم به كما داخل الصبغ الثوب وأنشدوا:
إذا ما القلب (أشرب) حب شيء ...
فلا تأمل له عنه انصرافاً
وقيل: أشربوا من أشربت البعير إذا شددت فِي عنقه حبلاً كأن العجل شد فِي قلوبهم لشغفهم به؛ وقيل: من الشراب ومن عادتهم أنهم إذا عبروا عن مخامرة حب أو بغض استعاروا له اسم الشراب إذ هو أبلغ منساغ فِي البدن، ولذا قال الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن، وقال الشاعر:
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
وقيل: من الشرب حقيقة، وذلك أن السدي نقل أن موسى عليه السلام برد العجل بالمبرد ورماه فِي الماء وقال لهم: اشربوا فشربوا جميعهم فمن كان يحب العجل خرجت برادته على شفتيه، ولا يخفى أن قوله تعالى: {فِى قُلُوبِهِمْ} يبعد هذا القول جداً على أن ما قص الله تعالى لنا فِي كتابه عما فعل موسى عليه السلام بالعجل يبعد ظاهر هذه الرواية أيضاً، وبناء أشربوا للمفعول يدل على أن ذلك فعل بهم ولا فاعل سواه تعالى.
وقالت المعتزلة: هو على حد قول القائل أنسيت كذا ولم يرد أن غيره فعل ذلك به وإنما المراد نسيت وأن الفاعل من زين ذلك عندهم ودعاهم إليه كالسامري.