وكان مما أحدثوا فيها أن قالوا: {لَيْسَ عَلَيْنَا في الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} : يعنون بالأُميين: العرب، ويعنون بأنهم ليس عليهم في الأُميين سبيل: أن ما أخذوا من أموالهم فهو حل لهم، ومنه قولهم: لا يضرنا ذنب، فنحن أبناءُ الله وأحباؤُه، وأن النار لن تمسنا إلا أياما معدودات. إلى غير ذلك مما كذبهم الله فيه فقال: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} : من تحريف كلام الله، وتبديله، وسوء تأْويله {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} بالباطل من جاء ورياسة ومال.
وتكرير الويل هنا؛ لتأْكيد الوعيد، وتعليله صراحة بالتزوير في الحق، وبكسبهم الحرام، بعد الإشعار به في صدر الآية {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} .
وإنما قيد الكتابة بالأيدي، مع أنها لا تكون إلا بها، لتحقيق مباشرفهم ما حرفوه، زيادة في تقبيح أَفعالهم، ولتأكيد القصد إلى التحريف، ليشتروا به ثمناَ قليلًا. ولأن الأيدي جوارح تقع بها أكثر الجنايات.
وقدم الكتابة وأَخر: يكسبون؛ لأن الكتابة مقدمة، وإلكسب مترتب عليها، فالكتابة سبب، والكسب مسبب عنها.
{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) }
المفردات:
{لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} : لن تصيبنا، والمس: اتصال أحد الشميئين بآخر واصابته له.
{أَيَّامًا مَعْدُودَةً} : يضبطها العد، فهي إذن قليلة
{بَلَى} : حرف جواب كنعم، إلا أنها لا تقع إلا جوابًا لنفي متقدم، سواءً أدخله استفهام أَم لا، وتفيد إثبات ما بعدها.