وفي «البحر» {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ} ؛ أي: الصدق بالكذب، قاله ابن عباس، أو اليهودية والنصرانية بالإسلام، قاله مجاهد، أو التوراة بما كتبوه بأيديهم فيها من غيرها، أو بما بدّلوا فيها من ذكر محمد صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن زيد، أو الأمانة بالخيانة؛ لأنهم ائتمنوا على إبداء ما في التوراة، فخانوا في ذلك بكتمانه وتبديله، أو الإقرار بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى غيرهم، وجحدهم أنه ما بعث إليهم، قاله أبو العالية، أو إيمان منافقي اليهود بإبطان كفرهم، أو صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفة الدجال. وظاهر هذا التركيب: أن الباء في قوله: {بِالْباطِلِ} للإلصاق كقولهم: خلطت الماء باللبن، فكأنهم نهوا عن أن يخلطوا الحقّ بالباطل فلا يتميز الحق من الباطل. انتهى.
{وَ} لا {تَكْتُمُوا الْحَقَّ} مجزوم عطفا على تلبسوا، والمعنى: النّهي عن كل واحد من الفعلين، كما قالوا: لا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم، نهيا عن كل واحد من الفعلين، أو منصوب بإضمار أن، وعلى الأول يكون كل واحد من اللّبس والكتم منهيا عنه، وعلى الثاني يكون المنهيّ عنه هو الجمع بين الأمرين، ومن هذا يظهر رجحان دخوله تحت حكم النهي، وأنّ كل واحد منهما لا يجوز فعله على انفراده، والمراد: النهي عن كتم حجج الله التي أوجب تبليغها، وأخذ عليهم بيانها. وجملة قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} حالية من واو الفاعل في الفعلين؛ أي: حالة كونكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون، أو أنتم تعلمون أنه حق نبي مرسل، قد أنزل عليكم ذكره في كتابكم، فجحدتم نبوته مع العلم به، أو المعنى: وأنتم تعلمون ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم، وليس إيراد الحال لتقييد المنهي به، بل لزيادة تقبيح حالهم، إذ الجاهل قد يعذر.
وقد أبانت الآية طريقهم في الغواية والإغواء، فقد جاء في كتبهم: