قال القاضي أبو بكر الباقلاني: إن الأحاديث فِي ذلك بلغت مبلغ التواتر المعنوي كما أشار إليه القرطبي فِي نقل كلامه.
وعند المعتزلة لا شفاعة لأهل الكبائر لوجوه منها الآيات الدالة على عدم نفع الشفاعة كهاته الآية ، وقوله: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 48] .
{من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254] {ما للظامين من حميم ولا شفيع} [غافر: 18] قالوا والمعصية ظلم.
ومنها قوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] وصاحب الكبيرة ليس بمرتضى ، ومنها قوله: {فاغفر للذين تابوا} [غافر: 7] .
والجواب عن الجميع أن محل ذلك كله فِي الكافرين جمعاً بين الأدلة وأن قوله: {لمن ارتضى} يدل على أن هنالك إذناً فِي الشفاعة كما قال: {إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] وإلا لكان الإسلام مع ارتكاب بعض المعاصي مساوياً للكفر وهذا لا ترضى به حكمة الله وأما قوله: {فاغفر للذين تابوا} فدعاء لا شفاعة.
والظاهر أن الذي دعا المعتزلة إلى إنكار الشفاعة منافاتها لخلود صاحب الكبيرة فِي العذاب الذي هو مذهب جمهورهم الذين فسروا قول واصل بن عطاء بالمنزلة بين المنزلتين بمعنى إعطاء العاصي حكم المسلم فِي الدنيا وحكم الكافر فِي الآخرة ولا شك أن الشفاعة تنافي هذا الأصل ، فما تمسكوا من الآيات إنماهو لقصد التأبيد ومقابلة أدلة أهل السنة أمثالها.
ولم نر جوابهم عن حديث الشفاعة ، وأحسب أنهم يجيبون عنه بأن أخبار الآحاد لا تنقض أصول الدين ولذلك احتاج القاضي أبو بكر إلى الاستدلال بالتواتر المعنوي.