ومن المفسرين من جعل الضمير فِي ولا هم عائداً على النفسين معاً، قال: لأن التثنية جمع قالوا، وفي معنى النصر للمفسرين هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أن معناه لا يمنعون من عذاب الله.
الثاني: لا يجدون ناصراً ينصرهم ولا شافعاً يشفع لهم.
الثالث: لا يعاونون على خلاصهم وفكاكهم من موبقات أعمالهم.
وثلاثة الأقوال هذه متقاربة المعنى، وجاء النفي لهذه الجمل هنا بلا المستعملة لنفي المستقبل فِي الأكثر، وكذلك هذه الأشياء الأربعة هي مستقبلة، لأن هذا اليوم لم يقع بعد.
وترتيب هذه الجمل فِي غاية الفصاحة، وهي على حسب الواقع فِي الدنيا، لأن المأخوذ بحق، إما أن يؤدى عنه الحق فيخلص، أو لا يقضى عنه فيشفع فيه، أو لا يشفع فيه فيفدى، أو لا يفدى فيتعاون بالإخوان على تخليصه.
فهذه مراتب يتلو بعضها بعضاً.
فلهذا، والله أعلم، جاءت مترتبة فِي الذكر هكذا.
ولما كان الأمر مختلفاً عند الناس فِي الشفاعة والفدية، فمن يغلب عليه حب الرياسة قدم الشفاعة على الفدية، ومن يغلب عليه حب المال قدم الفدية على الشفاعة، جاءت هذه الجمل هنا مقدماً فيها الشفاعة، وجاءت الفدية مقدمة على الشفاعة فِي جملة أخرى، ليدل ذلك على اختلاف الأمرين.
وبدئ هنا بالشفاعة، لأن ذلك أليق بعلوّ النفس، وجاء هنا بلفظ القبول، وهناك بلفظ النفع، إشارة إلى انتفاء أصل الشيء، وانتفاء ما يترتب عليه.
وبدئ هنا بالقبول، لأنه أصل للشيء المترتب عليه، فأعطى المتقدم ذكر المتقدم وجوداً، وأخر هناك النفع إعطاء للمتأخر ذكر المتأخر وجوداً. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 347 - 350}