فكذلك تفضيل بني إسرائيل على جميع أمم عصرهم وفي تلك الأمم أمم عظيمة كالعرب والفرس والروم والهند والصين وفيهم العلماء والحكماء ودعاة الإصلاح والأنبياء لأنه تفضيل المجموع على المجموع فِي جميع العصور، ومعنى هذا التفضيل أن الله قد جمع لهم من المحامد التي تتصف بها القبائل والأمم ما لم يجمعه لغيرهم وهي شرف النسب وكمال الخلق وسلامة العقيدة وسعة الشريعة والحرية والشجاعة، وعناية الله تعالى بهم فِي سائر أحوالهم، وقد أشارت إلى هذا آية: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليهم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} [آل عمران: 20] وهذه الأوصاف ثبتت لأسلافهم فِي وقت اجتماعها وقد شاع أن الفضائل تعود على الخلَف بحسن السمعة وإن كان المخاطبون يومئذ لم يكونوا بحال التفضيل على العالمين ولكنهم ذكروا بما كانوا عليه فإن فضائل الأمم لا يلاحظ فيها الأفراد ولا العصور.
ووجه زيادة الوصف بقوله: {التي أنعمت عليكم} مر فِي أختها الأولى. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 466 - 468}
فصل
قال الفخر:
بقي ههنا أبحاث:
البحث الأول: قال ابن زيد: أراد به المؤمنين منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير على ما قال تعالى: {وجعل منهم القردة والخنازير} [المائدة: 60] وقال: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} [المائدة: 78] .
البحث الثاني: أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد.
قال الله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] ، وقال: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] .
وقال: {لقد كان فِي قصصهم عبرة لأولِي الألباب} [يوسف: 111] .
ولذلك روى قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى الله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم.