ومن هنا أيضًا لم يدهشنا أن ينزل السيوطي في الإتقان بهذا العدد الكبير إلى أقل من عُشره، حين قرر أن عدد الآيات المنسوخة في القرآن لا يتجاوز عشرين آية، فقد تكشف مناقشتنا لدعاوى النسخ في هذه الآيات عن رفض بعض هذه الدعاوى، وتنزل بهذا العدد الذي حدده السيوطي إلى ما دون نصفه: ربعه أو نحوه.
ثم قال: وينبغي أن يكون معلومًا أن العدد الذي عرضه كل مصنف في كتابه ليس تحديدًا دقيقًا لعدد وقائع النسخ عنده، فهو لا يعدو في جملته أن يكون قضايا كما عبرنا، ومن بين هذه القضايا كثير حكوا في نسخه خلافًا، ومن بين هذه القضايا التي اختلفوا في نسخها قليل انتهوا من مناقشة دعوى النسخ فيه إلى إثبات أنه محكم، ومن بينها كذلك قضايا أثبتت مناقشتها أنها ناسخة وليست منسوخة، حتى عندهم.
وقال أيضًا: فها هنا تنتهي مناقشتنا للآيات التي ادعى عليها النسخ وليست منسوخة عرضنا منها حسبما مرتبًا:
خمسًا وسبعين آية بطلت دعوى النسخ عليها، لأنها أخبار.
وثماني وعشرين آية بطلت دعوى النسخ عليها؛ لأنها للوعيد.
وثلاثًا وستين ادعى عليها النسخ خطأ بآية السيف، مع أنها جميعًا محكمة.
وثماني وأربعين ادعى عليها النسخ مع أن علاقة نواسخها بها إنما هي التخصيص بأنواعه، أو التقييد أو التفسير أو التفصيل.
وثلاثًا وستين لم تصح دعوى النسخ عليها لعدم التعارض بينها وبين نواسخها.
وستًا لم تصح دعوى النسخ عليها مع أن المؤلفين في الناسخ والمنسوخ يجمعون عليها، والأصوليون يمثلون ببعضها على أن النسخ فيها مسلم.
ولقد أحسسنا ونحن نعالج كل مجموعة من هذه المجموعات أن بعضها يتداخل في بعضها الآخر، فليس كل منها تقسيمًا لغيره بالمعنى الدقيق المفهوم للتقسيم، لكنا كنا نشعر منذ بدأنا نعالج أن هذا التداخل واقع لا مفر منه، وأنه لا مانع على الإطلاق من أن تبطل دعوى النسخ على آية؛ لأنها خبر، ولأنه لا تعارض بينها وبين الآية الناسخة لها على زعمهم، ولأنها لا تعدو أن تكون من الأولى بمنزلة الخاص من العام، أو المقيد من المطلق، أو المفسر من المبهم، أو المفصل من المجمل، وأنها مع هذا سيقت لتدل على الوعيد، ثم ادعى عليها النسخ بعد هذا كله بآية السيف.