ودفع مهر لمن جاءت وآية نجـ ... ــواه كذاك قيام الليل مستطر
وزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حضروا (1)
الوجه الثاني: موقف العلماء من النسخ.
قال الزرقاني: العلماء في موقفهم من الناسخ والمنسوخ يختلفون بين مقصر ومقتصد وغال، فالمقصرون هم الذين حاولوا التخلص من النسخ إطلاقا سالكين به مسلك التأويل بالتخصيص ونحوه.
والمقتصدون هم الذين يقولون بالنسخ في حدوده المعقولة فلم ينفوه إطلاقًا ولم يتوسعوا فيه جزافًا كالغالين، بل يقفون به موقف الضرورة التي يقتضيها وجود التعارض الحقيقي بين الأدلة مع معرفة المتقدم منها والمتأخر، والغالون هم الذين تزيدوا فأدخلوا في النسخ ما ليس منه بناء على شبه ساقطة، ومن هؤلاء أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ، وهبة الله بن سلامة، وأبو عبد الله محمد بن حزم وغيرهم فإنهم ألفوا كتبا في النسخ أكثروا فيها من ذكر الناسخ والمنسوخ اشتباها منهم وغلطا. ومنشأ تزيدهم هذا أنهم انخدعوا بكل ما نقل عن السلف أنه منسوخ، وفاتهم أن السلف لم يكونوا يقصدون
بالنسخ هذا المعنى الاصطلاحي؛ بل كانوا يقصدون به ما هو أعم منه مما يشمل بيان المجمل وتقييد المطلق ونحوها.
قال د/ مصطفى زيد: لم يُهلنا الأمر عندما وجدنا أن قضايا النسخ كما تجمعت لدينا قد أربى عددها على مائتين وتسعين قضية، فنحن نعلم أن من بين هذه القضايا دعاوى نسخ في آيات إخبارية لا تشريع فيها على الإطلاق، ودعاوى أخرى في أحكام لم يشرع الإسلام غيرها في موضوعها، ودعاوى في آيات ليس فيها إلا تخصيص العام أو تقييد المطلق، أو بيان المبهم، أو تفصيل المجمل، ودعاوى لم تقم أصلًا إلا على سوء الفهم للنص القرآني المنسوخ أو الناسخ أو كليهما بسبب تجاهل سبب النزول أو دلالة السياق، أو بسبب القصور عن إدراك الأسلوب القرآني وإعجازه البليغ، أو بسبب آخر غير هذا وذاك.