وهذا كلامٌ جيّد، فإِن المعرفة الصّحيحة تقطع من القلب العلائق كلَّها، وتعلّقه بمعروفه فلا يبقى فيه عَلاَقة لغيره، ولا يمرّ به العلائق إِلاَّ وهي مجْتازَة.
وقال أَحمد بن عاصم: من كان بالله أَعرف كان من الله أَخوف.
ويدلّ على هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، وقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم:"أَنا أَعرفكم بالله وأَشدّكم له خَشْية".
وقال آخر: من عرف الله ضاقت عليه الأَرضُ بسعتها؛ وقال غيره: من عرف الله اتَّسَع عليه كلُّ ضيق.
ولا تنافى بين هذين الكلامين فإِنَّه يضيق عليه كلَّ مكان لاتِّساعه فيه على شأْنه ومطلوبه، ويتَّسع له ما ضاق على غيره لأَنَّه ليس فيه ولا هو مساكن له بقلبه، فقلبه غير محبوس فيه.
والأَوّل فِي بداية المعرفة والثاني فِي غايتها التي يصل إليها العبد.
وقال: من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلّ شئٍ، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأَنِس بالله.
وقال غيره: من عرف الله قرّت عينه بالله وقرّت به كلُّ عين، ومن لم يعرف الله تقطَّع قلبه على الدّنيا حَسَرَاتٍ، ومن عرف الله يلم يبق له رغبة فيما سواه.
وعلامة العارف أَن يكون قلبه مرآة إِذا نظر فيها رأَى فيها الغَيْب الذي دعا إِلى الإِيمان به، فعلى قَدْر جلاءِ تلك المرآة يتراءَى فيها سبحانه والدّارُ الآخرة والجنَّة والنار والملائكة والرُّسُل، كما قيل:
*إِذا سكن الغَديرُ على صَفاءٍ * فيُشْبه أَن يحرّكه النسيمُ*
*بَدَتْ فيه السماءُ بلا مِرَاءٍ * كذلك الشمسُ تبدووالنجومُ*
*كذلك قلوبُ أَربابِ التَجَلِّى * يُرى فِي صَفْوِهَا اللهُ العظيمُ*
ومن علامات المعرفة أَن يِبدو لك الشاهد وتَفْنَى الشَّواهد، وتنجلى العَلائق وتنقطع العَوائق، وتجلس بين يدي الرّب، وتقوم وتضطجع على التأَهب للقائه كما يجلس الذي قد شدّ أَحماله وأَزمع السفر على تأَهب له ويقوم على ذلك ويضطجع عليه.