ومن علامات العارف أَنه لا يطاِلب ولا يخاصِم ولا يعاقب ولا يرى له على أَحد حقًّا ، ولا يأْسف على فائت ولا يفرح بآت لأَنه ينظر فِي الأَشياءِ الفناءَ والزَّوال ، وأَنَّها فِي الحقيقة كالظِّلال والخيال.
وقال الجنيد: لا يكون العارف عارفاً حتيَّ يكون كالأَرض يطؤها البَرّ والفاجر ، وَكالسّحاب يُظلّ كلّ شىءٍ ، وكالمطر يَسقى ما يحِبُّ وما لا يحبّ.
وقال يحيى بن مُعاذ: يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه ، وثناؤه على ربّه.
وهذا من أَحسن ما قيل ، لأَنَّه يدلُّ على معرفته بنفسه وعلى معرفته بربّه وجماله وجلاله ، فهو شديد الإِزراءِ على نفسه لِهجٌ بالثناءِ على ربّه.
وقال أَبو يزيد: إِنَّما نالوا المعرفة بتضييع ما لَهُم ، والوقوف مع ما لَه.
يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق الله تعالى.
وقال آخر: لا يكون العارف عارفاً حتى لو أُعطى مُلْك سليمان لم يشغله عن الله طَرْفة عين.
وهذا يحتاج إِلى شرح ، فإِنَّ ما هو دون ذلك يشغل القلب ، لكن إِذا كان اشتغاله بغير الله لله فذلك اشتغال بالله.
وقال ابن عطاء: المعرفة على ثلاثة أَركان: الهيبة ، والحَياءُ ، والأُنْس.
وقيل: العارف ابن وقته.
وهذا من أَحسن الكلام وأَخصَره.
فهو مشغول بوظيفة وقته عمّا مضى وصار فِي العدم ، وعمّا لم يدخل بعد فِي الوجود ، فهمّه عمارة وقته الذي هو مادّة حياته الباقية.
ومن علاماته أَنه مستوحش ممّن يقطعه عنه.
ولهذا قيل: العارف من أَنس بالله فأَوحشه من الخَلْق ، وافتقر إِلى الله فأَغناه عنهم ، وذلَّ لله فأَعزَّه فيهم ، وتواضع لله فرفعه
بينهم ، واستغنى بالله فأَحوجهم إِليه.
وقيل: العارف فوق ما يقول ، والعالم دون ما يقول.
يعني أَنَّ العالِم علمُه أَوسع من حاله وصفته ، والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره.
وقال أَبو سليمان الدارانى: إِن الله يفتح للعارف وهو على فراشه ما لا يفتح لغيره وهو قائم يصليِّ.