الفرق الخامس: أَنَّ المعرفة علم بعين الشىءِ مفصَّلاً عمّا سواه ، بخلاف العلم فإِنه قد يتعلَّق بالشىءِ مُجملاً ، فلا يتصوّر أَن يعرف الله البتَّة ، ويستحيل هذا الباب بالكليّة ؛ فإِن الله سبحانه لا يحاط به علمًا ولا معرفة ولا رؤية ، فهو أَكبر من ذلك وأَعظم.
قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} .
والفرق بين العلم والمعرفة عند المحقِّقين أَنَّ المعرفة عندهم هي العلم الذي يقوم العالِم بموجَبه ومقتضاه ، فلا يطلقون المعرفة على مدلول/ العلم وحده ، بل لا يصفون بالمعرفة إِلاَّ من كان عالِمًا بالله وبالطَّريق الموصِّل إِليه وبآفاتها وقواطعها وله حال مع الله يشهد له بالمعرفة.
فالعارف عندهم مَن عرف الله سبحانه بأَسمائه وصفاته وأَفعاله ، ثمّ صَدَق الله فِي معاملاته ، ثمّ أَخلص له فِي قصوده ونِيَّاتِه ، ثمّ انسلخ من أَخلاقه الرّديئة وآفاته ، ثمّ تطهَّر من أَوساخه وأَدرانه ومخالفاته ، ثم صبر على أَحكامه فِي نِعمه وبليّاته ، ثمّ دعا [إِلى] الله على بصيرة بدينة وإِيمانه ، ثم جرّد الدّعوة إِليه وحده بما جاءَ به رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يَشُبْهَا بآراءِ الرِّجال وأَذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم ، ولم يزِنْ بها ما جاءَ به الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم ، فهذا الذي يستحقُّ اسم العارف على الحقيقة ، وإِذا سمّى به غيره فعلى الدّعوى والاستعارة.
وقد تكلَّموا فِي المعرفة بآثارها وشواهدها ، فقال بعضهم: مِن أَمارات المعرفة بالله حصول الهيبة ، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته.
وقال أَيضا: المعرفة توجب السكينة.
وقيل: علامتها أَن يحس بقرب قلبه من الله فيجده قريباً منه.
وقال الشِّبلى: ليس لعارف عَلاَقة ، ولا لمحبّ شكوى ، ولا لعبد دَعْوَى ، ولا لخائف قرار ، ولا لأَحد من الله فِرار.