وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}
يَعْنِي أَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لَا يَنْصُرُهُمْ نَاصِرٌ، كَمَا لَا يَشْفَعُ لَهُمْ شَافِعٌ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عَدْلٌ وَلَا فِدْيَةٌ. بَطَلَتْ هُنَالِكَ الْمُحَابَاةُ وَاضْمَحَلَّتِ الرُّشَا وَالشَّفَاعَاتُ، وَارْتَفَعَ بَيْنَ الْقَوْمِ التَّعَاونُ وَالتَّنَاصُرُ، وَصَارَ الْحُكْمُ إِلَى الْعَدْلِ الْجَبَّارِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ لَدَيْهِ الشُّفَعَاءُ وَالنُّصَرَاءُ، فَيَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا وَبِالْحَسَنَةِ أَضْعَافَهَا. وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي مَعْنَى: {لَا تَنَاصَرُونَ} مَا لَكُمْ لَا تَمَانَعُونُ مِنَّا؟ هَيْهَاتَ لَيْسَ ذَلِكَ لَكُمُ الْيَوْمَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ نَصِيرٌ يَنْتَصِرُ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ إِذَا عَاقَبَهُمْ.
وَقَدْ قِيلَ: وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ بِالطَّلَبِ فِيهِمْ وَالشَّفَاعَةِ وَالْفِدْيَةِ"."
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَعْلَمَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ لَا فِدْيَةَ لِمَنِ اسْتَحَقَّ مِنْ خَلْقِهِ عُقُوبَتَهُ، وَلَا شَفَاعَةَ فِيهِ، وَلَا نَاصِرَ لَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعْدُومٌ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 1/}