و (لما) الثانية تتنازع مع (لما) الأولى الجواب وهو قوله: {كفروا به} فكان موقع جملة (وكانوا) إلخ بالنسبة إلى كون الكتاب مصدقاً موقع الحال لأن الاستنصار به أو التبشير به يناسب اعتقاد كونه"مصدقاً لما معهم"وموقعها بالنسبة إلى كون الكتاب والرسول معروفين لهم بالأمارات والدلائل موقع المنشإ من المتفرع عنه مع أن مفاد جملة {لما جاءهم كتاب من عند الله} إلخ وجملة {لما جاءهم ما عرفوا} إلخ واحد وإعادة (لما) فِي الجملة الثانية دون أن يقول: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فجاءهم ما عرفوا إلخ قصد إظهار اتحاد مفاد الجملتين المفتتحتين بلما وزيادة الربط بين المعنيين حيث انفصل بالجملة الحالية فحصل بذلك نظم عجيب وإيجاز بديع، وطريقة تكرير العامل مع كون المعمول واحداً طريقة عربية فصحى، قال تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} [آل عمران: 188] وقال: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون} [المؤمنون: 35] فأعاد (أنكم) قبل خبر الأولى وقد عدلنا فِي هذا البيان عن طريقة الزجاج وطريقة المبرد وطريقة الفراء المذكورات فِي {حاشية الخفاجي وعبد الحكيم} وصغناه من محاسن تلك الطرائق كلها لما فِي كل طريقة منها من مخالفة للظاهر.
وقوله: {فلعنة الله على الكافرين} جملة دعاء عليهم وعلى أمثالهم والدعاء من الله تعالى تقدير وقضاء لأنه تعالى لا يعجزه شيء وليس غيره مطلوباً بالأدعية وهذا كقوله: {وقالت اليهود الله مغلولة غلت أيديهم} [المائدة: 64] وقوله: {قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30] وسيأتي بيانه عند قوله تعالى: {عليهم دائرة السوء} فِي سورة براءة (98) .
والفاء للسببية والمراد التسبب الذكري بمعنى أن ما قبلها وهو المعطوف عليه يسبب أن ينطق المتكلم بما بعدها كقول قيس بن الخطيم: