لزوم التأكيد والتأسيس أولى منه واستعمال الفاء للتراخي الرتبي فإن مرتبة المؤكد بعد مرتبة المؤكد، ولما فِي الثاني من دخول الفاء فِي جواب (لما) مع أنه ماض وهو قليل جداً حتى لم يجوزه البصريون ولو جوز وقوعها زائدة (فلما) لا تجاب بمثلها لا يقال لما جاء زيد، لما قعد عمرو أكرمتك بل هو كما ترى تركيب معقود فِي لسانهم مع خلو الوجهين عن فائدة عظيمة وهو بيان سوء معاملتهم مع الرسول واستلزامهما جعل و (كانوا) حالاً، واختار أبو البقاء إن (كفروا) جواب لما الأولى، والثانية ولا حذف لأن مقتضاهما واحد وليس بشيء كجعل {فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين} .
جواباً للأولى وما بينهما اعتراض واللام فِي الكافرين للعهد أي عليهم ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم كما أن الفاء للإيذان بترتبها عليه، وجوز كونها للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً، واعترض بأن دلالة العام متساوية فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء، والجواب أن المراد دخولاً قصدياً لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم ويكون ذلك من الكناية الإيمائية ويصار إليها إذا كان الموصوف مبالغاً فِي ذلك الوصف ومنهمكاً فيه حتى إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال كقولهم لمن يقتني رذيلة ويصر عليها أنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كل من هو من أبناء جنسك فاليهود لما بالغوا فِي الكفر والعناد وكتمان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونعى الله تعالى عليهم ذلك صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم وكان هذا الكلام لازماً لذكرهم ورديفه وأنهم أولى الناس دخولاً فيه لكونهم تسببوا استجلاب هذا القول فِي غيرهم وجعل السكاكي من هذا القبيل قوله:
إذا الله لم يسق إلا الكراما ... فيسقي وجوه بني حنبل
فإنه فِي إفادة كرم بني حنبل كما ترى لا خفاء فيه. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 320 - 321}