وَهَذَا قَوْلٌ يَشْهَدُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ عَلَى فَسَادِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: مَا أَغْنَيْتَ عَنِّي شَيْئًا، بِمَعْنَى: مَا أَغْنَيْتَ مِنِّي أَنْ تَكُونَ مَكَانِي، بَلْ إِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يَجْزِي مِنْ شَيْءٍ، قَالُوا لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا: لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا شَيْئًا. فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ لَقَالَ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ} كَمَا يُقَالُ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ مِنْ نَفْسٍ، وَلَمْ يَقُلْ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا: وَفِي صِحَّةِ التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالشَّفَاعَةُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ: شَفَعَ لِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ شَفَاعَةً، وَهُوَ طَلَبُهُ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلشَّفِيعِ شَفِيعٌ وَشَافِعٌ لِأَنَّهُ ثَنَّى الْمُسْتَشْفَعُ بِهِ فَصَارَ لَهُ شَفْعًا، فَكَانَ ذُو الْحَاجَةِ قَبْلَ اسْتِشْفَاعِهِ بِهِ فِي حَاجَتِهِ فَرْدًا،
فَصَارَ صَاحِبُهُ لَهُ فِيهَا شَافِعًا، وَطَلَبُهُ فِيهِ وَفِي حَاجَتِهِ شَفَاعَةً؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الشَّفِيعُ فِي الدَّارِ وَفِي الْأَرْضِ شَفِيعًا لِمَصِيرِ الْبَائِعِ بِهِ شَفْعًا.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ حَقًّا لَزِمَهَا لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهَا شَفَاعَةَ شَافِعٍ، فَيَتْرُكُ لَهَا مَا لَزِمَهَا مِنْ حَقٍّ.