مقصود السورة وصفه بالهدى وبهذا الرسول الآتي به دليلاً على إغراقهم فِي الكفر ، لأنهم مع استفتاحهم به صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه على من يعاديهم واستبشارهم به وإشهادهم أنفسهم بالسرور بمجيئه كانوا أبعد الناس من دعوته تمادياً فِي الكفر وتقيداً بالضلال ، فكان هذا الدليل أبين من الأول عند أهل ذلك العصر وذلك قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب} أي جامع لجميع الهدى لعظمته لكونه {من عند الله} الجامع لجميع صفات الكمال ، ثم ذكر من المحببات لهم فِي اتباعه قوله {مصدقاً لما معهم} على لسان نبي يعرفون صحة أمره بأمور يشهد بها كتابهم ، وبتصديق هذا الكتاب له بإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم ، والجواب محذوف ودل ما بعد على أنه كفروا به ، وفي ذلك قاصمة لهم لأن كتابهم يكون شاهداً على كفرهم ، ولما بين شهادة كتابهم أتبعه شهادتهم لئلا يحرفوا معنى ذلك فقال {وكانوا} أي والحال أنهم كانوا ، ولما كان استفتاحهم فِي بعض الزمان أثبت الجار فقال: {من قبل} أي قبل مجيئه {يستفتحون} أي يسألون الله الفتح بالاسم الآتي به تيمناً بذكره!! {على الذين كفروا} يعني أنهم لم يكونوا فِي غفله عنه بل كانوا أعلم الناس به وقد وطنوا أنفسهم على تصديقه ومع ذلك كله {فلما جاءهم} برسالة محمد صلى الله عليه وسلم علم {ما عرفوا} أي ما صدقه بما ذكر من نعوته فِي كتابهم {كفروا به} اعتلالاً بأنواع من العلل البينة الكذب ، منها زعمهم أن جبريل عليه السلام عدوهم وهو الآتي به ؛ قال الثعلبي والواحدي:"روى ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الله بن صوريا حاجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء ، فلما اتجهت الحجة عليه قال: أي ملك يأتيك من السماء ؟ قال: جبريل ، ولم يبعث الله نبياً إلا وهو وليه - وفي رواية"