وقال آخرون: أراد: الروح القدس، أي: المقدس، فأضاف الاسْم إلى الصفة، وأراد به روح عيسى عليه السلام.
وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث. وجاء في الخبر: أن الله تعالى لما أخذ الذرية في ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم ردها إليه إلا روح عيسى فإنه أمسكها عنده إلى وقت خلقه. وقرئ القُدس بالتخفيف والتثقيل، وهُما حسنان، مثل: العُنْقُ والعُنُق، والحُلْم والحُلُم، وبابه. ومعناه: الطهارة.
قال العَجّاج:
قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس.
وذكرنا ما فيه عند قوله {وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] .
وقوله: {أَفَكُلَّمَا} ذهب أبو الحسن في هذه الفاء إلى أنها زائدة، والوجه: أن تكون غير زائدة وأن تكون للإتباع؛ لتعلق ما قبلها بما بعدها.
وعلى هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قيل له لما جهد نفسه بالعبادة: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال:"أفلا أكون عبدا شكورًا". فالوجه أن تكون الفاء هَاهُنَا مُتبعَةً غير زائدة.
ونصب (كلّما) كنصب سائر الظروف، وكُلّ: حرفُ جملة، وهو اسم يجمع الأجزاء.
وقال أبو الهيثم: يقع (كل) على اسم منكور مُوحَّد فيؤدي معنى الجماعة، كقولهم: ما كلُّ بيضاءَ شحمةً.
و (ما) هاهُنا حرف جزاء، ضم إلى (كل) .
ومعنى {أسْتَكبَرْتُم} : تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم الرئاسة، وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة.
{فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} مثل: عيسى ومحمد، {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} مثل: يحيى وزكريا. نظيره في المائدة [70] : {فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} ، والفريق: الطائفة من الناس.
قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} فيما دل عليه قوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} كأنه قال: فما استقمتم.