فلو لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - صادقاً لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم هم معصية لله تعالى وخروجاً عن طاعته إلى طاعة الشيطان، والله يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله.
والثاني: جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: أن الرب إلهكم يقيم لكم نبياً مثلي من بينكم ومن إخوانكم، وفي هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى إني مقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه.
وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم أنه سيكون من إخوانكم إمام، عقل منه أنه لا يكون من بني هاشم، ثم أن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل ولم يكن له أخ إلا العيص، ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب، وأنه كان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام مبشراً به، وأما إسماعيل فإنه كان أخاً لإسحاق والد يعقوب، ثم أن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل، فالنبي عليه السلام ما كان منهم، لكنه كان من
إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخو إسحاق عليهم السلام.
فإن قيل قوله"من بينكم"يمنع من أن يكون المراد محمداً - صلى الله عليه وسلم - ، لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل.
قلنا بل قد قام من بينهم لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كانوا كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم، وأيضاً فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام، فإذا قام محمد - صلى الله عليه وسلم - بالحجاز فقد قام من بينهم وأيضاً فإنه إذا كان من اخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم.