وأما المعروف من شدة أمور الدنيا ورخائها، فلا تفسر الآية بذلك، والظاهر حمل الكفر والإيمان على حقيقتهما الشرعية، لأن من سأل الرسول ما سأل مع ظهور المعجزات ووضوح الدلائل على صدقه، كان سؤاله تعنتاً وإنكاراً، وذلك كفر.
{فقد ضل سواء السبيل} : هذا جواب الشرط، وقد تقدم الكلام على الضلال فِي قوله: {ولا الضالين} وعلى سواء فِي قوله: {سواء عليهم أأنذرتهم} وأن سواء يكون بمعنى مستو.
ولذلك يتحمل الضمير فِي قولهم: مررت برجل سواء هو والعدم، ويوصف به: {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} ، ويفسر بمعنى العدل والنصفة، لأن ذلك مستو، وقال زهير:
أرونا خطة لا عيب فيها ... يسوى بيننا فيها السواء
ويفسر بمعنى الوسط.
قال تعالى: {فرآه فِي سواء الجحيم} أي فِي وسطها.
وقال عيسى بن عمر: كتبت حتى انقطع سواي، وقال حسان:
يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب فِي سواء الملحد
وبذلك فسر السواء فِي الآية أبو عبيدة، وفسره الفراء بالقصد.
ولما كانت الشريعة توصل سالكها إلى رضوان الله تعالى، كنى عنها بالسبيل، وجعل من حاد عنها: كالضال عن الطريق، وكنى عن سؤالهم نبيهم ما ليس لهم أن يسألوه بتبدل الكفر بالإيمان، وأخرج ذلك فِي صورة شرطية، وصورة الشرط لم تقع بعد تنفيراً عن ذلك، وتبعيداً منه.
فوبخهم أولاً على تعلق إرادتهم بسؤال ما ليس لهم سؤاله، وخاطبهم بذلك، ثم أدرجهم فِي عموم الجملة الشرطية.
وإن مثل هذا ينبغي أن لا يقع، لأنه ضلال عن المنهج القويم، فصار صدر الآية إنكاراً وتوبيخاً، وعجزها تكفيراً وضلالاً.
وما أدى إلى هذا فينبغي أن لا يتعلق به غرض ولا طلب ولا إرادة.
وإدغام الدال فِي الضاد من الإدغام الجائز.
وقد قرئ: {فقد ضل} ، بالإدغام وبالإظهار فِي السبعة. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 1 صـ 517}