وأدل دليل على ما قدرته قوله عطفاً على ما تقديره: فيكفروا فإنه من سأل ذلك فقد تبدل الكفر بالإيمان {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} أي يأخذ الكفر بدلاً من الإيمان بالإعراض عن الآيات وسؤال غيرها أو التمسك بما نسخ منه، وعبر بالمضارع استجلاباً لمن زل بسؤال شيء من ذلك إلى الرجوع بالتوبة ليزول عنه الاستمرار فيزول الضلال {فقد ضل سواء السبيل} أي عدله ووسطه فلم يهتد إليه وإن كان فِي بينات منه، فإن من حاد عن السواء أوشك أن يبعد بعداً لا سلامة معه {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] وكثيراً ما كان يتزلزل طوائف من الناس عند تبدل الآيات وتناسي الأحكام وبحسب ما يقع فِي النفس من تثاقل عنه أو تحامل على قبوله يلحقه من هذا الضلال عن سواء هذا السبيل؛ وفيه إشعار بأن الخطاب للذين آمنوا، لأن المؤمنين المعرفين بالوصف لا يتبدل أحوالهم من إيمان الكفر، لأن أحداً لا يرتد عن دينه بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} [البقرة: 256] {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى} ؛ [لقمان: 22] وقال عليه الصلاة والسلام:"إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً بعد أن أعطاكموه"فبذلك يتضح مواقع خطاب القرآن مع المترتبين فِي أسنان القلوب بحسب الحظ من الإيمان والإسلام والإحسان - قاله الحرالي.
وعرف {السبيل} بأنه المشتمل على قوام السائر فيه والسالك له من نحو الرعي والسقي وشبهه، والسواء بأنه من الشيء أسمحه بالأمر الذي قصد له، قال: ويقال هو وسطه وخياره. انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 218 - 219}