ثمَّ اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادِّعَائهم الإيمانَ بالتوراة، والتوراة لا تسوِّغ قتل نبي بقوله: {قُلْ} لهم يا محمد! تبكيتًا لهم من جهة الله تعالى، ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم؛ أي: إلزامًا وبيانًا لكفرهم بالتوراة التي ادَّعوا الإيمان بها، إذا كان إيمانكم بالتوراة صحيحًا {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} أي فلم قتلتم أنبياء الله {مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبل نزول القرآن، كزكريَّا ويحيى {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بالتوراة حقًّا، فإنَّ في التوراة تحريمَ القتل بغير حقّ، فأيُّ كتاب جوَّز لكم قتلهم؟ والمعنى: أنّهم لو آمنوا بالتوراة لما قتلوا الأنبياء، فآلَ أمْرُهُم إلى كفرهم بجميع ما أنزل الله تعالى، لا بالبعض فقط كما ادَّعوه.
قوله: {فَلِمَ} أصله: (لما) لامه للتعليل، دخلت على ما الاستفهامية، وسقطت الألف؛ فرقًا بين الاستفهامية والخبريّة. وصيغة الاستقبال في قوله: {تَقْتُلُونَ} ؛ لحكاية الحال الماضية، وهو جواب شرط محذوف، تقديره: قُلْ لهم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون، فلأيِّ شيء ٍ تقتلون أنبياء الله من قبل وهو فيها حرام؟
فَإِنْ قُلْتَ: الخطاب مع الموجودين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلم خوطبوا بالقتل مع أنَّ قتل الأنبياء ليس واقعًا منهم، بل من أسلافهم؟
قلتُ: خوطبوا بذلك؛ لأنّهم رضوا بفعل أسلافهم، والرضا بالكفر كفرٌ؛ أو لأنّهم أصرُّوا على قتل محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تسبَّبُوا في ذلك مرارًا، كما مرّ. وعبارة"الروح": وأسند فعل الآباء وهو القتل إلى الأبناء؛ للملابسة بين الآباء والأبناء. اهـ.