الحجة الخامسة: أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة فِي قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الأنفال: 65] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الأنفال: 66] فهذه الآيات وأمثالها فِي القرآن كثير تدل على وقوع النسخ فلا مجال للإنكار بحالٍ من الأحوال ، ولهذا أجمع العلماء على القول بالنسخ ، حتى روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال لرجلٍ: أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال: لا ، قال: هلكتَ وأهلكت الناس .
قال العلامة القرطبي: (معرفة هذا الباب أكيدة ، وفائدته عظيمة ، لا تستغني عن معرفته العلماء ، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء ، لما يترتب عليه فِي النوازل من الأحكام ، ومعرفة الحلال من الحرام ، وقد أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه ، وهم محجوبون بإجماع السلف السابق على وقوعه فِي الشريعة) .
ثم قال:"لا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء ، قُصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية ، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالماً بمآل الأمور ، وأمّا العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح ، كالطبيب المراعي أحوال العليل ، فراعى ذلك فِي خليقته بمشيئته وإرادته ، لا إله إلا هو ، فخطابه يتبدل ، وعلمه وإرادته لا تتغيّر ، فإنّ ذلك محال فِي جهة الله تعالى".
الحكم الثاني: ما هي أقسام النسخ فِي القرآن الكريم ؟
ينقسم النسخ إلى ثلاثة أقسام:
الأول: نسخ التلاوة والحكم معاً .
الثاني: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم .
الثالث: نسخ الحكم وبقاء التلاوة .