{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} : أي ما نبدّل من حكم آية فنغيّره ، أو نترك تبديله فنقره بحاله ، نأت بخير لكم منها - أيها المؤمنون - فِي العاجل أو الآجل إمّا برفع مشقة عنكم ، أو بزيادة الأجر لكم والثواب ، أو بمثلها فِي الفائدة للعباد ، ألم تعلموا أيها الناس أن الله عليم ، حكيم ، قدير ، لا يصدر منه إلا كل خير وإحسان ، وأنه - جل وعلا - شرع هذه الملة الحنيفية السمحة ، ليرفع عن عباده الأغلال والآصار ؟!
فلا تظنّوا أنّ تبديله للأحكام لعجزٍ فِي القدرة ، أو جهل فِي المصلحة ، وإنما تغييرها يرجع إلى منفعة العباد ، فهو المالك المتصرف فِي شؤون الخلق ، يحكم بما شاء ، ويأمر بما شاء ، ويبدّل وينسخ الأحكام حسب ما يريد ، وما لكم أيها الناس سوى وليّ يرعى شؤونكم ، أو ناصر ينصركم ، فلا تثقوا بغيره ، ولا تعتمدوا إلا عليه ، فهو نعم الناصر والمعين .
أتريدون - أيها المؤمنون - أن تسألوا رسولكم ، نظير ما سأل قوم موسى من قبل ؟! فتضلّوا كما ضلّوا ، ويكون مثلكم مثل اليهود الذين سألوا نبيّهم تعنتاً واستكباراً فقالوا:
{أَرِنَا الله جَهْرَةً} [النساء: 153] وطلبوا منه ما لا يسوغ طلبه حيث قالوا: {اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] فهل يليق بكم أن تتعنتوا مع نبيكم ، وتقترحوا عليه ما تشتهون ، فتصبحوا كاليهود الضالين ؟!
ومن يستبدل الكفر بالإيمان ، والضلالة بالهدى ، فقد حاد عن الجادة ، وعدل عن طريق الاستقامة ، وتردّى فِي مهاوي الهلاك ، وخسر نفسه حيث عرّضها لعذاب الله الأليم .
سبب النزول
أ - روي أن اليهود قالوا: ألا تعجبون لأمر محمداً ؟ يأمر أصحابه بأمرٍ ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً ، فما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه ، يناقض بعضه بعضاً فنزلت {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ...} الآية .