اللطيفة الثانية: أنكر بعض العلماء أن تحمل الآية (أو نُنْسها) على النسيان ضد الذكر ، لأنّ لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم حيث تكفّل الله جلت قدرته بأن يقرئه فلا ينسى {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6] ، فهذه الآية تعارض التفسير السابق الذي ذهب إليه المفسّرون .
والجواب كما قال ابن عطية: أن هذا النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله أن ينساه جائز شرعاً وعقلاً ، وأمّا النسيان الذي هو آفة البشر فالنبي معصوم منه قبل التبليغ وبعده حتى يحفظه بعض الصحابة ، ومن هذا ما روي"أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط آية فِي الصلاة ، فلما فرغ منها قال: أفي القوم أُبيّ ؟ قال: نعم يا رسول الله ، قال: فلِمَ لم تذكرني ؟ قال: خشيت أن تكون قد رفعت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم ترفع ولكني نسيتها".
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} المراد بالخيرية هنا الأفضلية يعني فِي (السهولة والخفة) وليس المراد الأفضلية فِي (التلاوة والنظم) لأن كلام الله تعالى لا يتفاضل بعضه عن بعض ، إذ كلّه معجز وهو كلام ربّ العالمين .
قال القرطبي:"لفظة (خير) هنا صفة تفضيل ، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس فِي عاجل إن كانت الناسخة أخف ، وفي آجل إن كانت أثقل ، وبمثلها إن كان مستوية ، وليس المراد ب (أخير) التفضيل ، لأن كلام الله لا يتفاضل وإنما هو مثل قوله:"
{مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} [النمل: 89] أي فله منها خير أي نفع وأجر"."
وقال أبو بكر الجصاص:" (بخيرٍ منها) فِي التسهيل والتيسير كما روي عن ابن عباس وقتادة ، ولم يقل أحد من العلماء خير منها فِي التلاوة ، إذ غير جائز أن يقال: إنّ بعض القرآن خير من بعض فِي معنى التلاوة والنظم ، إذ جميعه معجز كلام الله".