دلالة الفعل على مصدره، أقوى من دلالته على الزمان، وعلى الهيئة، وعلى المفعول، وعلى الفاعل؛ ولموافقته ظاهر قوله تعالى: {فلا يؤمنون إلّا قليلًا} اهـ. من"البحر".
89 - {وَلَمَّا جَاءَهُمْ} ؛ أي: ولما جاء اليهود المعاصرين لمحمد - صلى الله عليه وسلم - {كِتَابٌ} وقرآن نازلٌ {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} سبحانه وتعالى، ووصفه بقوله: من عند الله؛ للتشريف؛ وللدلالة على أنَّه جديرٌ بأن يقبل، ويُتَّبع ما فيه، ويعمل بمضمونه، إذ هو واردٌ من عند خالقهم، وإلههم الذي هو ناظرٌ في مصالحهم، {مُصَدِّقٌ} ؛ أي: موافقٌ {لِمَا مَعَهُمْ} ؛ أي: لكتابهم؛ أي: للتوراة التي في أيديهم في التوحيد، وبعض الشرائع، وصفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو صفةٌ ثانيةٌ، وقُدّمت الأولى عليها؛ لأنّ الوصف بكينونته من عند الله آكد، ووصفه بالتصديق ناشئٌ عن كونه من عند الله تعالى، لا يقال: إنّه يحتمل أن يكون من عند الله متعلِّقًا بجاءهم، فلا يكون صفة؛ للفصل بين الصفة والموصوف بما هو معمولٌ لغير أحدهما. وفي مصحف أُبَيٍّ {مصدقًا} وبه قرأ ابن أبي عبلة، ونصبه على الحال من كتاب وإن كان نكرة، وقد أجاز ذلك سيبويه بلا شرطٍ، فقد تخصَّص هنا بالصفة فقَرَّبَتْهُ من المعرفة، وقوله: {لِمَا مَعَهُمْ} هو التوراة والإنجيل، وتصديقه إمّا بكونهما من عند الله، أو بما اشتملا عليه من ذكر بعث الرسول ونعته.
قال ابن التمجيد: المصدَّق به: ما يختصُّ ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وما يدلُّ عليها من العلامات لا الشرائع والأحكام؛ لأنَّ القرآن نسخَ أكثرها.