88 -ثُمَّ أخبر سبحانه وتعالى عن اليهود المعاصرين لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبين ضلالهم في اقتدائهم بأسلافهم، فقال حكايةً عنهم: {وَقَالُوا} ؛ أي: اليهود المعاصرون لمحمد - صلى الله عليه وسلم - {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع أغلف، كحمر جمع أحمر، مستعارٌ من الأغلف الذي لم يختن؛ أي: قلوبنا مغشّاة مغطّاة بأغشيةٍ جِبِليَّةٍ، وأغطية خِلْقية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ولا تفقهُهُ، ولا تفهمُهُ. وقرأ الجمهور {غُلْفٌ} بإسكان اللام، واختلف في سكون اللام، أهو سكونٌ أصليٌّ، فيكون جمع أغلف، كحمر وأحمر؟ أم هو سكون تخفيف، فيكون جمع غلاف؟ وأصله: الضُمُّ، كحمار وحمر. وقرأ ابن عباس، والأعرج، وابن هرمز، وابن محيصن {غُلُف} بضمّ اللام وهي مرويّةٌ عن أبي عمرو - وليست في المتواتر عنه - وهو جمع غلاف، ولا يجوز أن يكون في هذه القراءة جمع أغلف؛ لأنّ تثقيل فُعَّل الصحيح العين لا يجوز إلّا في الشعر، يقال: غلفت السيف، جعلت فيه غلافًا، وأمّا من قرأ {غُلْفٌ} بالإسكان، فمعناه: أنَّها مستورة عن الفهم والتمييز، وقال مجاهد؛ أي: عليها غشاوة. وقال عكرمة: عليها طابعٌ. وقال الزجاج: ذوات غلفٍ؛ أي: عليها غُلْفٌ لا تصل إليها الموعظة.
وقيل معناه: خُلِقَتْ غُلفًا لا تتدبَّر ولا تعتبر. وقيل: محجوبةٌ عن سماع ما تقُول، وفهمِ ما تُبيِّن، ويحتمل على هذه القراءة أن يكون قولهم هذا على سبيل البَهْتِ والمدافعة حتى يُسْكِتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ويحتمل أن يكون ذلك خبرًا منهم بحال قلوبهم؛ لأن الأوّل فيه ذَمُّ أنفسهم بما ليس فيها، وكانوا يدفعون بغير ذلك، وأسباب الدفع كثيرةٌ.