هُوَ مَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ، وَلَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ شَيْخُنَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ قَدْ قَرَأَ دَلَائِلَ الْإِعْجَازِ، وَقَوْلُهُ: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ) حَالٌ مُفْرَدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْمُقَارَنَةُ لِمَا هِيَ قَيْدٌ لَهُ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ كُفْرِهِمْ بِالتَّوْرَاةِ بِالتَّبَعِ لِكُفْرِهِمْ بِالْقُرْآنِ الْمُصَدِّقِ لَهَا، وَلَوْ فِيمَا صَدَّقَهَا فِيهِ، وَالْكُفْرُ بِبَعْضِهِ كَالْكُفْرِ بِهِ كُلِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَرِيبًا. وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ أَيْضًا: وَضْعُ الْمُضَارِعِ (تَقْتُلُونَ) مَوْضِعَ الْمَاضِي (قَتَلْتُمْ) لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعْبِيرِ مِنْ إِرَادَةِ اسْتِحْضَارِ صُورَةِ هَذَا الْجُرْمِ الْفَظِيعِ مُبَالَغَةً فِي التَّقْرِيعِ، وَإِغْرَاقًا فِي التَّشْنِيعِ. وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ تَدُلُّ عَلَى الْحَالِ، فَتُوهِمُ أَنَّ الَّذِينَ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ كَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقْتَرِفُونَ هَذِهِ الْجَرِيمَةَ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ أَنْبِيَاءُ إِلَّا مَنْ يُبَكِّتُهُمْ وَيَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ، وَصَلَهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ قَبْلُ) دَفْعًا لِذَلِكَ الْوَهْمِ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَلِمَ) وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ شَرْطٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ.