إن قيل: كيف قال ذلك وهذه النعم كانت على أسلافهم ؟ قيل: قد قال بعضهم: لما ذكر الله تعالى ذلك فِي التوراة على سبيل الخطاب ، أعاد اللفظ على الحكاية ، وقيل:"النعمة على الإنسان ضربان": نعمة تصل إليه من المنعم بلا واسطة ، ونعمة تصل إليه من المنعم بواسطة ، أو بوسائط وذلك كتسخير الله من يزرع لنفسه زرعاً يصل إلينا نفعه على بعض الوجوه ، فهذا الزارع منعم علينا ، وعلى هذا قيل: إن الله تعالى منعم على كل واحد منا بأكثر ما يتعاطاه الناس من أعمالهم من المهن والصنائع المرفقة لأنفسهم ، ونحو هذه الآية قول الله - عز وجل - {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} وأعاده قوله:
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ، فلأن الأول: حث على استيقاء نعمته بالوفاء بعهده ، والثاني: لتبينها بتفضيلهم على العالمين.
قوله - عز وجل -
{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} ...
الآية (48) سورة البقرة.
الجزاء والمكافأة ، والمقابلة متقاربة ، لكن الجزاء أعمها ، لأن المكافأة: يعتبر فيها المماثلة والمقابلة: يراعى فيها المجازاة ، والجزاء لا يراعى فيه شيء من ذلك ، ويقال: جزاه"بلا همزة"، يجزيه ، أو"أجزاه"بالهمزة ، ففي الجزاء معنى العناء ، والقبول تناول المقبل ، ومنه القابل: المتناول الدلو ، وأصل ذلك من قَبل وقُبل.
فقبل يستعمل فِي المتقدم المنفصل ، ويضاده بعد ، وقبل: فِي المتصل ، ويضاده: دبر ، وقد جعل كناية عن السوءتين ، ويقابل القبول الرد.