قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ، وقوله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، وقول شعيب: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ، وقد اتبع الله ذمهم بحكمين حقق غيهم أحدهما ، قوله: وانتم تتلون) أي: تتدبرون التوراة ، والثاني: قوله: (أفلا تعلقون) - تنبيهاً - أن الجامع للعقل ومتبع الكتاب ليس من حقه أن يأمر الغير بما لا يفعله ، فذلك منبئ عن الجهل ، فصارت الآية بما عقبت أبلغ من معنى قول الشاعر:
لاتنه عن خُلُق وتأتي بمثلُه ....
عار عليك إذا فعلت عظيم
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} مثل هذه الآية فِي حث الإنسان على (العناية بالنفس) قبل العناية بغيره ، لا نهياً عن الوعظ كما تصوره بعض الناس ، حتى قال هذه الآية منسوخة..
قوله - عز وجل -:
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} : الآية (45) - سورة البقرة.
أصل الصبر: الإمساك فِي ضيق ، ومنه: دابة مصبورة ، والصبرة من الطعام للجمعة منه ، وفي التعارف: إمساك النفس على ما يقتضيه العقل وعما يقتضيه ، وذلك ضربان: صبر عن المشتهى ، وهو العفة ، وصبر على المكروه وهو الشجاعة ، وقيل الصبر: الصوم ، لقوله عليه السلام: (صيام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهب كثيراً من وحر الصدر) ، وتسميته بالصبر ، لكونه بعضه ، إذ هو إمساك الشهوة ، ولهذا قال عليه السلام:
"الصوم نصف الصبر"، والصلاة أرفع منزلة من الصبر ، لأنها تجمع ضروباً من الصبر ، إذ هي حبس الحواس على العبادة ، وحبس الخواطر والإفكار على الطاعة ، ولهذا قال: