{وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} ، وخصها برد الضمير إليها دون الصبر ، وأما الصلاة التي تخفف على غير الخاشع ، فإنها مسماة باسمها ، وليس هي فِي حكمها ، بدلالة قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ، ومثلها ، وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهاه عن الفحشاء والمنكر ، ومثلها فِي رد الضمير على أحد المذكورين لاختصاص العناية به ، قوله: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} ، فأعيد الضمير إلى التجارة - لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت الآية فيهم ، ولأنه قد تشغل التجارة عن العبادة من لا تشغله اللهو ، وعلى ذلك قوله: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لما كان حبس الفضة عن الناس أعظم ضرراً ، إذ كانت
الحاجة إليها أمس ، ومنعها للمضرة أجلب ، [خُصا بالضمير] ، وقوله: (كَبِيرَةٌ) أي: كبيرة القدر ، أو ثقيلة على النفس ، بالإضافة إلى غيرها من العبادات وزائدة عليها ، فإنها لا تصح إلا ببذل مال ما جار مجرى الزكاة فيما يستر به العورة ، ويطهر به البدن ، وإمتساك فِي مكان مخصوص يجري مجرى الاعتكاف ، وتوجه إلى الكعبة يجري مجرى الحج ، وذكر لله ولرسوله يجري مجرى إظهار الشاهدتين للإيمان ، ومجاهدة فِي مدافعة الشيطان سارية مجرى الجهاد ، ومساندة عن الأطيبين جار مجرى العموم ، وفيها ما ليس فِي العبادات الآخر من وجوب القراءة ، وإظهار الخشوع ، والركوع والسجود ، وغير ذلك ، ولهذا عظم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها ، فكان آخر ما أوصى به عند وفاته:"الصلاة ، وما ملكت إيمانكم"، وجعل بقولها وما يفيض بها لسانه.
قوله - عز وجل -:
{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ...
الآية (46) سورة البقرة.