والجواب عن الأول: ان الوارد فِي سورة البقرة مقصود به تعداد وجوه الإنعام على بني إسرائيل وتوالى الامتنان ليبين شنيع مرتكبهم فِي مقابلة ذلك الإنعام بالكفر ولنقدم لذلك تمهيداً فنقول: أنه تعالى بدأ عباده بالنعم وأحسن إليهم قبل إيجادهم حين ذكرهم فِي الأزل بخصوص التكريم وسبقت رحمته غضبه وله المن والطول وعلى لحظ ما ذكرنا ورعيه جرى خطاب الخلق فِي دعائهم إلى عبادته فقال تعالى فِي أول وارد من ذلك فِي كتابه العزيز على المعتمد من مقتضى الترتيب الثابت:"ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون"إلى قوله:"فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون"فذكرهم سبحانه بإيجادهم بعد العدم وجعله الأرض فراشا لهم والسماء بناء وإنزال الماء من السماء واخراج الثمرات به وكل هذا انعام وإحسان منه لعباده من غير حاجة به إلى ذلك فدعا سبحانه الخلق لعبادته مذكراً بإنعامه عليهم وبهذا أمر رسله فقال لموسى عليه السلام:"وذكرهم بأيام الله"أي بآلائه ونعمائه وعلى هذا جرى خطاب بني إسرائيل فِي سورة البقرة فِي أول خطاب خوطبوا به ودعوا إلى عبادة الله وتصديق من قدم لهم فِي أمره وأخذ عليهم العهد فِي الإيمان به فقال تعالى:"يا بني إسرائيل اذكروا نعمتى التي أنعمت عليكم".
فأجمل تعالى ثم فصل فذكر نجاتهم من آل فرعون وفرق البحر بهم ونجاتهم وهلاك عدوهم بالغرق ثم ذكر عفوه عنهم فِي عبادة العجل وتوبته عليهم وبعثهم من موتهم عند طلبهم الرؤيا، وتظلياهم بالغمام إلى ما ذكر تعالى بعد هذا.
فلما كان موضع تعداد نعم وآلاء ذكروا بها ليزدجروا عن المخالفة والعناد ناسبه التضعيف لإثباته بالكثرة ولو قيل هنا واذ أنجيناكم لما أنبأبذلك ولا ناسب المقصود مما ذكر، وأيضا فإن التضعيف فِي: نجيناكم يناسب التضعيف الوارد بعده فِي قوله:"يذبحون"، ولم يكن لفظ أنجيناكم غير مضاعف ليناسب.