وثانيها: قول السدي: إن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده، وثالثها: أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان يقتل أبناءهم فِي تلك السنة والأقرب هو الأول، لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم لا يكون أمراً مفصلاً وإلا قدح ذلك فِي كون الإخبار عن الغيب معجزاً بل يكون أمراً مجملاً والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه، فإن قيل: إن فرعون كان كافراً بالله فكان بأن يكون كافراً بالرسل أولى، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام عنه.
قلنا: لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد أو يقال: إنه كان شاكاً متحيراً فِي دينه وكان يجوز صدق إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطاً. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 65}
فصل
قال الفخر:
اعلم أن الفائدة فِي ذكر هذه النعمة من وجوه:
أحدها: أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة صار تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم وشاهدوا ذل من بالغ فِي إذلالهم ولا شك فِي أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب الانقياد والطاعة، ويقتضي نهاية قبح المخالفة والمعاندة، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة العظيمة مبالغة فِي إلزام الحجة عليهم وقطعاً لعذرهم.