وثانيها: أنهم لما عرفوا أنهم كانوا فِي نهاية الذل وكان خصمهم فِي نهاية العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلاً لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين، فكأنه تعالى قال: لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره فِي الحال، فإنه محق لا بد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه، وثالثها: أن الله تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي فِي طلب عز الآخرة. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 65 - 66}
فصل
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {وَفِي ذلكم بَلاء مّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ} قال القفال: أصل الكلمة من الابتلاء وهو الاختيار والامتحان قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] وقال: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} [الأعراف: 168] والبلوى واقعة على النوعين، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن يقال فِي الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر.
قال زهير
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم .. وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
إذ عرفت هذا فنقول: البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ:"ذلكم"إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 66}
وقال الماوردي:
وفي قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكُم بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} تأويلان:
أحدهما: أن فيما كانوا يفعلونه بهم: مِنْ سوء العذاب، وذبح الأبناء، واستحياء النساءِ شدةً وجهداً عظيماً.
والثاني: أن فِي إنجائهم من آل فرعونَ، الذين كانوا يفعلون ذلك بهم نعمةٌ من ربِّهم عظيمةٌ، وهو قول ابن عباسٍ، ومجاهدٍ، والسدي.
وأصل البلاء الاختبار فِي الخير والشر، كما قال عز وجل: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] لأن الاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، غير أن الأكثر فِي الشر أن يقال: بَلَوْتُه أَبْلُوهُ بلاءً، وفي الخير: أَبْلَيْتُهُ أُبْلِيهِ إبْلاءً، ومن ذلك قولُ زُهَيْرٍ:
جَزَى اللهُ بِالإْحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُمْ ... فَأَبْلاَهُمَا خَيْرَ الْبَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
فجمع بين اللُّغَتين. انتهى انتهى. {النكت والعيون حـ 1 صـ 118 - 119}